التظاهرات في كازاخستان.. انهيار سريع للشرطة يهدد بتحولها إلى «مصدرة للمتطرفين»

رئيس كازاخستان
رئيس كازاخستان



تدهور الأمر في كازاخستان سريعاً، ففي أقل من 5 أيام فقط، فقدت الحكومة الكازاخية السيطرة على التظاهرات الغاضبة التي بدأت في ليلة رأس السنة من مدينة «تاراز» بجنوب البلاد، وخرجت للاحتجاج على قرار الحكومة برفع أسعار الوقود، ليقوموا بإشعال النيران في شجرة عيد الميلاد الضخمة في ميدان المدينة الرئيسي، ثم انطلقت، الأربعاء،  تظاهرات ضخمة في ألماتي العاصة التاريخية للبلاد، لتعم التظاهرات كالنار في الهشيم بباقي مدن البلاد.

في الساعة السادسة من مساء الرابع من يناير، فقدت قوات الشرطة السيطرة على الأمر، ونجح المتظاهرون من احتلال ميدان الجمهورية، الميدان الأكبر في ألماتي، وحدث انهيار أمني متسلسل في باقي المدن الكبرى حيث عمت المظاهرات في ساعات قليلة 12 مدينة كازاخية، وتمكن المتظاهرون من احتلال جميع المراكز الشرطية، صباح اليوم الخميس، بعدما انهارت القوات الأمنية والحكومية كلياً، وتم السطو على مخازن الأسلحة والذخيرة، وهو ما دفع الرئيس لإعلان حالة الطوارئ الوطنية في كافة أرجاء البلاد، وقطع الإنترنت، وإعطاء أمر للجيش بالنزول إلى الشوارع.

وعقد الرئيس الكازاخي، قاسم جومارت توكاييڤ، اجتماعاً عاجلاً بالحكومة ليقرر فيه إقالتها، وتولي رئاسة مجلس الأمن القومي بنفسه بعدما عزل من رئاسته الرئيس السابق نور سلطان نزارباييڤ، كما أقال كل قادة أجهزة الأمن، وعين الجنرال العسكري توكتار أوباكيروڤ لجهاز أمن الدولة.

وفي نهاية اليوم، سيطر المتظاهرون على مطار ألماتي، وقررت الحكومة الأمريكية إغلاق قنصليتها العامة وسحب موظفيها، كما سيطر المتظاهرون على مدينة أكاتو، في غرب البلاد التي يقع فيها ميناء كازاخستان الوحيد، وبدأوا في إسقاط تماثيل الرئيس السابق نور سلطان نزارباييڤ.

ارتفاع أسعار الوقود وإقالة الحكومة

ورغم إقالة الحكومة، والتراجع عن رفع سعر الوقود، وإلقاء الرئيس كلمة تعهد فيها للشعب بتحقيق كافة مطالبه السياسية والاجتماعية والاقتصادية، فلم تهدأ التظاهرات، وسيطر المتظاهرون على سيارات الشرطة والجيش والأسلحة والعتاد، وبدأت تخرج تظاهرات في العاصمة الإدارية نور سلطان التي تأسست عام 1998، ولا يزيد عدد سكانها عن  800 ألف نسمة، وسط سحب سكانها لمدخراتهم من البنوك، وتشديد الحراسة على القصر الجمهورية خشية من سقوطه بيد المتظاهرين.

ونتيجة لتأزم الوضع، طالب منذ ساعات الجنرال طيار توكتار أوباكيروڤ، تدخل جيوش بلدان منظمة «معاهدة الأمن الجماعي CSTO» لحفظ النظام، وتضم المنظمة بجانب الأخيرة كلاً من روسيا، وأرمينيا، وقيرغيزستان، وطاجيكستان، وبيلاروسيا.

وأخيراً، أصدر الرئيس الكازاخي، بياناً رسمياً، طالب فيه بتدخل عسكري عاجل لحفظ الأمن في البلاد مما أسماهم «جماعات إرهابية متطرفة تسعى لتقويض أمن ووحدة البالد»، وخرج توضيح من الحكومة أكد فيه أن دعوة القوات الخاصة بدول معاهدة الأمن الجماعي، لا بد أن تدخل في إطار جيوش من كافة بلدان المنظمة، فيما يبدو إشارة لعدم قبول تدخل روسي منفرد، بينما، أصدر رئيس مباحث أمن الدولة الجديد بيانا، أكد فيه قيام الجهاز بعملية عسكرية لتحرير ألماتي، وطالب من المواطنين  بالتزام بالهدوء، والتعاون مع الأمن.

سقوط كازاخستان

ويرى المراقبون أن الوصف الأمثل لما حدث في كازاخستان هو أن الدولة الكازاخية قد سقطت، فلم يتبق سوى العاصمة نور سلطان، وهي عاصمة إدارية وعدد سكانها محدود للغاية.

وسارعت الحكومة الروسية، للتعليق على الحدث، لتعبر عن ثقتها في قدرة أجهزة الأمن الكازاخية على حفظ الأمن والاستقرار دون حاجة لتدخل موسكو، ولم يصدر منها أي تعلي على دعوة الرئيس الكازاخي بتدخل قوات «منظمة الأمن الجماعي».

وأجرى الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، اتصالاً هاتفياً مشتركاً مع الرئيس الكازاخي ورئيس بيلاروسيا، وحسب المراقبين، فإن الهدف من الاتصال، هوالاتفاق على إدخال قوات من كال البلدين، تحت مسمى «حفظ النظام» مهمتها حراسة مرافق الدولة وترك الجيش الكازاخي يتولى التصدي للمتظاهرين.

وبالعودة إلى الأوضاع على الأرض، فقد توقفت خدمات الإنترنت والاتصالات، وأٌغلقت البنوك وأوقف الطيران في كازاخستان حتى الآن، وأصبحت قوات الشرطة شبه منهارة بعدما خسرت عتادها وأسلحتها ومقرات، التي سلبها من المتظاهرون.

مخاطر سقوط كازاخستان

وعن المخاطر السياسية الخارجية لما يحدث، في كازاخستان، بعد الانهيار السريع للدولة هناك، الخطر لا ينبع من المعارضة التقليدية في كازاخستان، لكن من دخول المنظمات الإسلامية المتطرفة على الخط، ومنظمة آلاش القومية الإسلامية الكازاخية، وهي إحدى أكثر الحركات نشاطاً، وتعد تجمعاً واسعاً لعدة شخصيات توصف من قبل السلطة وموسكو بأنها فاشية، فهي ترفض اللغة الروسية وترفع شعار  «الثقافة واللغة التركية جسدنا واالإسلام روحنا»، وهم مسؤولون عن حملات شعبية تسمى «دوريات حماية اللغة☼، والتي تقوم بإرهاب المواطنين وتصويرهم للتشهير بهم حال لم يكونوا قادرين على التحدث باللغة الكازاخية.

التكوين الديموغرافي لكازاخستان

وعن التكوين الديموغرافي لكازاخستان، يقدر عدد الكازاخ من أصل روسي بحوالي 20% من السكان، وهم معرضون لخطر من الحركات القومية والإسلاموية حال سقوط النظام، ووفق الدستور الروسي وتعديلاته الأخيرة، يحق للدولة الروسية التي عرفت الروسي بأنه «كل من يتحدث الروسية كلغة أم أو من ينتمي لمجتمع الشتات الروسي في بلدان الجوار منذ العهد الإمبراطوري أو السوڤيتي، ومسؤوليتها في حمايتهم»، وهو ما قد يبرر تدخلها حال تعرضوا لخطر، في ظل تعالي الأصوات القومية في موسكو، باستعادة منطقة «رودني ألطاي» في شرق كازاخستان، وهي أراضي روسية تم منحها لجمهورية كازاخستان السو ڤيتية، ويطالبون الآن باستعادتها طالما تفكك الاتحاد.

فوضى آسيا الوسطى تشبه الربيع العربي

وفي حال حدثت فوضى خارجة عن السيطرة في كازاخستان، فالمنطقة كلها «آسيا الوسطى»، يتوقع أن تدخل في حالة فوضى واسعة أشبه بما يسمى «الربيع العربي»، ومما قد يسهم في تفاقمها سيطرة حركة طالبان على أفغانستان، ووجود منظمات إرهابية عابرة للحدود، مثل الحزب الإسلامي الأوزبكي، والحزب الإسلامي التركستاني، ومنظمة الأكرمية السالمية، وحركة النهضة الطاجيكية، وغيرهم، وهو ما يهدد أمن روسيا والصين، وكذلك ينذر بموجات جديدة من اللاجئين تتدفق على تركيا، ومنها إلى أوروبا، ووجود موطأ قدم جديد للحركات الجهادية تؤثر على أوضاع المنطقة العربية.

استبعاد نظرية الدور الأمريكي

وعن الدور الأمريكي، يرى المراقبون أن نظرية الدور الأمريكي في الأحداث حتى الآن مستبعدة، نظرًا لأن الفوضى التي تحدث بالمنطقة ستطال أوروبا، وستؤثر على المصالح الأمريكية، ولا يمكن السيطرة عليها كما أن كازاخستان تحتوي على ثروات نفطية وغازية ضخمة، وأكبر مخزون بالمنطقة لليورارنيوم الخام، وترسانة أسلحة قوية، وقد تدفع الفوضى لتدخل عسكري روسي في كل آسيا الوسطى يعزز من نفوذها وسطوتها، لذا فالأرجح هو أن الأحداث الحالية منطقية في سياق التضييق على الحريات لأكثر من 30 عاما من استقلال البلاد، ووهيمنة الأوليغارشية المرتبطة بالنظام على االقتصاد، وفقدان الشعب الأمل في إمكانية التغيير مع تولي رئيس جديد حيث تبين أنه رئيس شكلي، والرئيس السابق وحاشيته هم من يديرون البلاد من خلف ستار، ويرجح المراقبون الكازاخ إمكانية حصار  التظاهرات وخروج البلاد بأقل أضرار حال تم إجراء تغييرات جذرية، وعقد مصالحة مع المعارضة.

الجدير بالذكر، أن أبرز المعارضين وقادة الحركات القومية الكازاخية، يقيمون في تركيا، شأن باقي نشطاء دول آسيا الوسطى، في ظل سياسة أنقرة، التي تسمى «العالم التركي» للعب بالعنصر القومي في منطقة آسيا الوسطى، ولدى مسلمو روسيا، والعامل الديني نوستالجيا «الخلافة العثمانية» في العالم العربي والبلقان.

 







أضف تعليقك