صائدو الأبرياء.. أوكرانيات ضحايا تجار الحروب داخل مخيمات اللاجئين

لاجئات أوكرانيات
لاجئات أوكرانيات



بين مطرقة الحرب وسندان تجار البشر، لا تزال سيدات أوكرانيا عالقات بأطفالهن، فلا هن نجون بأرواحهن وأرواح صغارهن من آلات الحرب التي لم تجد مَن يوقفها، حتى وقعن في شباك عصابات الاتجار بالبشر، الذين يجدون ضالتهم في مئات بل آلاف النساء والأطفال وكبار السن العالقين على الحدود انتظاراً لإجلائهم بعيداً عن ضربات المدفعية وهجمات الصواريخ.

مشهد وداع الأب لابنته لم يزَل عالقاً ليس في ذهنها فحسب، وإنما صار صورة حية في ضمير الإنسانية، وفي نفس كل مَن ينكرون الحرب وينبذون العنف- كل العنف- الذي يدفع ثمنه كثير من الأبرياء؛ حتى إن أوفرهم حظاً الذي استطاع النجاة بنفسه من ويلات الحرب، وجد نفسه أمام مهالك مافيا الاتجار بالبشر.

تلك الحشود المتجولة، التي يشكل المرضى وكبار السن أغلبها، متراصة في مسارات تمتد بطول ميل من الأوكرانيين، يسافرون في ظروف شديدة البرودة؛ هرباً من أهوال غباء الإنسان ونشوته إلى المال والجنس «الاتجار بالبشر».

ففي الوقت الذي تم فيه تجنيد جميع الذكور لمحاربة الجيش الروسي، يتجول ملايين اللاجئين والمشردين، معظمهم من النساء وكبار السن والأطفال، عبر الأرض للوصول إلى بر الأمان في البلدان المجاورة.

وذكرت الأمم المتحدة أن هناك أكثر من 3.5 مليون أوكراني يسعون للجوء خارج بلادهم، بالإضافة إلى أكثر من 10 ملايين نازح في بلادهم.

يتم استهداف النساء والأطفال اللاجئين الفارين من الحرب في أوكرانيا إلى بولندا من قِبل القوادين ومهربي الجنس المشتبه بهم، والذين يعملون بمفردهم أو في عصابات، وفقاً للجمعيات الخيرية العاملة على الحدود.

 

لاجئات أوكرانية

 

الاتجار بالبشر

عند المعابر الحدودية أفادت الشرطة المحلية أن تجار البشر زحفوا خارج جحورهم اللزجة للاستفادة من معاناة اللاجئين الباحثين عن المأوى والحماية، ملايين الأوكرانيين المتنقلين وآلاف الشابات والفتيان والفتيات المتجمعين عند المعابر من أجل ممر آمن يوفرون الظروف المثالية للاستغلال، وقد نصب المهربون الإجراميون فخاخهم هناك للانقضاض على الوافدين المطمئنين؛ لتجديد مخزونهم.

بالنسبة إلى أولئك الذين وقعوا في شبكة من الاستغلال، ينتهي بهم الأمر في نهاية المطاف ضحايا لأبشع ممارسة مُهينة للكرامة، وهي ممارسة تدمر الكرامة واحترام الذات والروح الداخلية.

في الواقع، أصبح الاتجار بالبشر في أوكرانيا من النساء والشباب؛ من أجل الاستغلال الجنسي التجاري والعمل القسري، منتجاً ثانوياً للأزمة التي أججها الصراع في البلاد، وفي الوقت نفسه تم تحديد أوكرانيا من قِبل الوكالات الإنسانية لمكافحة الاتجار بالبشر كمصدر لعبور وبلد مقصد لشبكة الاتجار بالبشر عبر الوطنية، كما يتم الاتجار بالأطفال داخلياً وعالمياً للاستغلال الجنسي والتسول القسري والعبودية القسرية في صناعة الزراعة.

 

العصابات الإجرامية التي تستهدف اللاجئين تلجأ إلى كل أنواع الحيل لإغراء ضحاياها، يعرف المهربون المتآمرون من الرجال والنساء على وجه التحديد كيفية التعامل مع الشابات والفتيان المصابين بصدمات نفسية؛ بما في ذلك الأطفال دون مرافقين، سرعان ما أصبح الضعفاء المتعبون فريسة مثالية للمتاجرين الذين يقدمون لهم الأمن والمال والممر الآمن بعيداً عن جنون القتل في أوكرانيا.

بمجرد دخول الضحايا إلى السيارة، يصبحون كالأموات، ونادراً ما يرون الدنيا مرة أخرى؛ إذ ينتهي بهم الأمر في المزارع المعزولة، ومحلات العرق، والحانات المليئة بالحيوية وبيوت الدعارة أو يتم وصفهم بأنهم عبيد للجنس، ويتم تداولهم بين المجرمين مثل الماشية، وبمرور الوقت، أصبحوا ضحايا الحرب المنسيين في أوكرانيا، ولن يذكرهم أحد في وسائل الإعلام المتعطشة للأخبار المثيرة.

قطاع آخر لا يتجزأ من الاتجار بالبشر هو بيع الأعضاء البشرية، يعتبر نزع أعضاء الضحايا المحاصرين والعبيد المعاصرين جريمة واسعة الانتشار، ترتكبها الجماعات الإجرامية العابرة للحدود، أصبح الاتجار غير المشروع بالأعضاء صناعة عالمية مربحة، ذات معدلات منخفضة نسبياً من إنفاذ القانون، لا تعترف دول مثل الولايات المتحدة الأمريكية وكندا بتجارة الأعضاء البشرية كشكل من أشكال الاتجار، ورغم ذلك تصل جميع عمليات الزرع تقريباً إلى 10% عبر تجارة الأعضاء وصناعة العبيد، بمبلغ يقدر بـ150 مليار دولار سنوياً.

 

لاجئات أوكرانية

 

نِسب صادمة

أقر تقرير صادر عن مكتب الأمم المتحدة المعني بالمخدرات والجريمة (UNODC)، أن أكثر أشكال الاتجار بالبشر شيوعاً (79%)، هي النساء لأغراض الجنس والبغاء، و(20%) استغلال الأطفال في تجارة الجنس، والأمر الأكثر إثارة للصدمة هو أن النساء الماكرات اللائي يعتنين بالنساء والفتيات والصبيان الأخريات والاتجار بهن أصبحن الآن القاعدة، وتعتبر قضية الاتجار بالجنس الأخيرة في المحكمة الفيدرالية في مانهاتن من قِبل الاجتماعية البريطانية جيسلين ماكسويل، مثالاً رئيسياً وقليلاً من جبل الجليد.

«لقد سجلنا الحالات الأولى للقوادين، الذين يعتدون على نساء أوكرانيات بالقرب من نقاط إيواء اللاجئين في لوبلين»؛ هكذا قالت كارولينا ويرزبينسكا، المنسقة في منظمة (Homo Faber)، وهي منظمة لحقوق الإنسان مقرها مدينة لوبلين البولندية، وتضيف: "في بعض الأحيان تلاحقهن بقوة، تحت ستار توفير النقل أو العمل أو الإقامة"، وفقاً لتقرير نشرته صحيفة «ذا جارديان».

تقول ويرزبينسكا: «هؤلاء ليسوا رجالاً فقط، هناك أيضاً نساء يحاولن شراء لاجئات في محطات الحافلات، وإنه كانت هناك فرق من الأشخاص تعمل معاً لمحاولة جذب النساء إلى سيارات مجهولة الهوية».

وتضيف المنسقة في منظمة (Homo Faber): «نرى فرقاً تنتظر الأشخاص الذين يصلون من أوكرانيا وتتظاهر بتقديم توصيلات أو أماكن إقامة للنساء اللائي يشعرن بالضيق والإرهاق من رحلتهن، نرى أيضاً عدة أزواج؛ عادة من الذكور والإناث، سافروا إلى الحدود بالسيارة، في محاولة لإغراء النساء باستخدام تكتيكات مماثلة، نتدخل في مثل هذه الحالات من خلال الاقتراب من الشخص الذي يتصرف بشكل مريب ومطالبتهم بالتسجيل في دليل المتطوعين لدينا، رداً على ذلك يهربون عادةً».

 

لاجئات أوكرانية

 

متخفون في زي عسكري! 

منذ بدء روسيا حربها على أوكرانيا، كان الجيش البولندي جنباً إلى جنب مع رجال الإطفاء والشرطة على الحدود في ميديكا، أكثر معابر بولندا ازدحاماً مع أوكرانيا، لتنظيم ومساعدة آلاف اللاجئين الذين يصلون كل يوم، كما شهدت الأسابيع القليلة الماضية أيضاً وصول مجموعات من الرجال بزي عسكري يزعمون أنهم موجودون لحماية النساء والأطفال عبر الحدود، بعد أن أعربت منظمات إغاثية عن مخاوفها من أن تؤدي أزمة اللاجئين إلى موجة من الاتجار والاستغلال.

لكنّ الرجال الذين ينامون في موقف للسيارات في خيام في درجات حرارة دون الصفر، ليسوا جنوداً بولنديين، وبدلاً من ذلك عرَّفوا أنفسهم بأنهم قدامى المحاربين في الفيلق الأجنبي الفرنسي، وقالوا إنهم قطعوا آلاف الأميال لملء ما يرون أنه فراغ خطير في حماية النساء والأطفال الفارين من الحرب في أوكرانيا من الاتجار بالبشر.

قال أحد الأفراد المرتبطين بمجموعة الحراسة، الذي طلب عدم الكشف عن هويته، لكنه أظهر ما يبدو أنه أوراق هوية الفيلق الأجنبي الفرنسي في جواز سفره: «لم أستطع حتى التركيز؛ لأنه كان من الممكن أن تكون أختي، أو ابنتي، أعتقد أنه لا يوجد شيء يتم التحكم فيه، لقد رأيت نساء خائفات، والأطفال يظهرون على الحدود ولا أحد يعرف مكان الوالدين، إنه هدف سهل».

مشكلة الاتجار بالبشر هي أن معظم عمليات النقل التي تحدث ليست منظمة، إنهم متطوعون يأتون من مختلف الأماكن في سياراتهم الخاصة، وقال أحد المتطوعين في الصليب الأحمر البولندي: «في جميع نقاط الاستقبال، لديك منظمات مختلفة تحاول إنشاء نظام للبحث عن المفقودين والتعقب».

 

الحرب

 

وقال متحدث باسم الشرطة المحلية، إنه ليست لديهم معلومات عن مجموعة الحراسة أو نياتهم؛ لكنهم نفوا وجود أي جنود أجانب على الحدود، كما شاهد المتطوعون في مراكز استقبال اللاجئين الأخرى رجالاً يرتدون زياً عسكرياً لا ينتمون إلى أية سلطة رسمية، علاوة على مزيج فوضوي بالفعل من مجموعات الإغاثة والسلطات والمتطوعين المحليين، فإن وصول أفراد يرتدون ملابس عسكرية يخلق حالة من الارتباك حول هوية قوات الأمن الرسمية على النقاط الحدودية، وهو وضع يساعد المتاجرين بالبشر، كما يشير الخبراء.

 

ادعاءات المساعدة!

الغريب أن العديد من الرجال رفضوا الإجابة عن أسئلة حول وجودهم على الحدود، وأبقى أحد الأشخاص، الذي كان يرتدي زيه الرسمي بالعلم الفرنسي، وجهه مغطى جزئياً برقبة سوداء، ورفض الكشف عن اسمه أو شرح غرضه على الحدود، واكتفى بالقول إنه كان هناك «للمساعدة»، كما رفض جميع الرجال تصويرهم.

وقالت منظمة الأمم المتحدة للطفولة (يونيسف)، إن الأفراد الذين لم يتم فحصهم والذين يعملون بمعزل عن السلطات البولندية يشكلون مصدر قلق، وقال جو إنجلش، المتحدث باسم "يونيسف": «لا يمكنني التحدث باسم السلطات في بولندا؛ لكن الأمن هو مجالهم الفعلي، أعتقد أن أي نوع من اليقظة هو تطور مقلق».

وقالت إيلفا جوهانسون، مفوضة الاتحاد الأوروبي للشؤون الداخلية، هذا الأسبوع، إن هناك تقارير من مجموعات إغاثة بأن النساء يختفين، وإن المفوضية الأوروبية أطلقت شبكة من منسقي مكافحة الاتجار بالبشر، وقالت: «لا يجب أن ننتظر حتى يكون لدينا دليل على وجود الكثير من الاتجار؛ لأنه قد يكون الوقت قد فات».

ويقول آجي إيفن، الأمين العام لمنظمة الأطفال المفقودين في أوروبا: «هناك الكثير من الأطفال الذين فقدنا أثرهم، هذه مشكلة كبيرة؛ ليس فقط لأنها تعني اختفاءهم بسهولة، ويصعب العثور عليهم، لكن أيضاً لأنها تجعل الاتجار أمراً سهلاً للغاية».

 

موضوعات متعلقة







أضف تعليقك