الحرب الروسية الأوكرانية..

أينما تكونوا تدرككم الحرب.. مواطنون عرب كُتبت عليهم المعاناة

أينما تكونوا تدرككم الحرب
أينما تكونوا تدرككم الحرب


لعنة الأرض.. فلسطيني يحمل السلاح دفاعاً عن منزله في أوكرانيا

الصنعاني.. هرب من حرب اليمن فأجبر على التجنيد في أوكرانيا

لو خرجت هارجع لأمي.. مواطن سوري فر من حرب سوريا لتلحق به في أوكرانيا

تقرير هروب مرهون بالجنسية.. حكاية طبيب عراقي يواجه الموت بأوكرانيا


ربما كانت لعنة بعض الرمال العالقة على أحذيتهم، أثناء الرحيل والخذلان من بلاد حملت معها رحى الحرب الدائرة لسنوات، كفيلة بنقل المعاناة إلى أرض أخرى، أو ربما هكذا جاء على صفحة أقدارهم أن يعايشوا أزمات العالم ليكتبوها في مذكراتهم، ليتوارث أجيالهم هذه المخطوطات من حروب ودماء علّ من يأتي مستقبلاً يعي آثار تلك الأتربة العالقة في الأقدام.

"وليد وإياد وحسن وجينكيز" مواطنون عرب اختلفت بلدانهم لكنّهم اجتمعوا على أرض طالتها ويلات الحرب التي هربوا منها في السابق من أوطانهم الأم؛ ولكن أقدارهم هذه المرة لم تعد مُعلقة بأياديهم، ففي السابق هربوا بينما اليوم حتى الهروب لم يعد متاحًا.

أينما تكونوا تدرككم الحرب

فلسطيني مدافعًا عن أرضه بأوكرانيا

بحثًا عن أرضٍ جديدة يقول عنها "وطني"، خرج صاحب الـ40 عامًا قبل سنوات ليُفتش عن منزل جديد بالقارة العجوز لا تطوله فيها صواريخ إسرائيل، فُراق الوطن لم يكن سهلًا على الفلسطيني الذي قضى العديد من سنوات عمره حاملًا بيده حجارة يُقاوم بها مُحتلاً لأرضه، لكن الحرب أبت أن تتركه فأدركته في مكانه.

 

"إياد" شاب فلسطيني يعيش في العاصمة الأوكرانية كييف، في عمر الـ17 حصل على الشهادة الثانوية، وبسبب ظروف الحرب بالقطاع قرر خوض تجربة جديدة في مكان أكثر أمانًا، فهاجر إلى أوكرانيا، وبدأ في البحث عن عمل بجانب دراسته، وشاءت الأقدار أن يلتقي أحد أبناء وطنه؛ يمتلك شركة للملابس، فقرر الفتى حينها العمل معه.

 

الحرب على أوكرانيا


"أنا ماكنتش حاسب حساب إن بتصير حرب، أنا كنت متأكد إن مش هيحصل"، نحو 25 عامًا قضاها إياد في كييف، انتهى من دراسته وحصل على الإقامة الدائمة، وتزوج بفتاة أوكرانية أنجب منها أربعة أبناء؛ أكبرهم 9 سنوات، وأصغرهم لم يتجاوز العام، لم يتخيل الفلسطيني أن الحرب التي خرج بسببها من وطنه في السابق ستلحق به في مُستقره الجديد.


الحرب وحدها لم تكن هي الأزمة الكُبرى أمام إياد؛ لكن منعه من تجاوز الحدود إلى دولة أخرى أكثر أماناً كان التحدي الأكبر؛ خصوصاً أنه يحمل إقامة دائمة وممنوع من الخروج، وعليه المشاركة وحمل السلاح للدفاع عن وطنه الجديد، لذا فكر في الانضمام إلى اللجان الشعبية التي أُعدت لمواجهة القوات الروسية داخل المدن بعيدًا عن القواعد العسكرية الحدودية.

 

 

"أنا الفلسطيني الوحيد في اللجنة الشعبية دي، والباقي أوكران"، قرر الأربعيني برفقة العديد من أبناء الحي تشكيل لجنة شعبية للدفاع عن منازلهم، وبالفعل حملوا السلاح وصنعوا عبوات ناسفة يدوية وزرعوها بالطرقات؛ لمنع توغل الروس بمنطقتهم.

 

مستقبل مجهول في انتظار عائلة إياد، فيقينه بعدم اندلاع حرب وضعه أمام مُستقبل مجهول؛ فهو لا يخطط للعودة إلى فلسطين مرة ثانية، وستكون وجهته المُحتملة كغيره من اللاجئين الأوكرانيين إلى إحدى الدول الأوروبية الحدودية، حتى إن هذا الأمر يمكن أن يجد به صعوبة، خصوصاً أن أبناءه الأربعة لا يحملون هويات سفر، فلم يكن في حُسبان الأب أن تندلع الحرب بتلك السرعة.

 

إياد وغيره الكثير من الفلسطينيين الذين فروا من نيران المُحتل للبحث عن مأوى آمن، يعيشون الآن مشاهد أعادت إلى أذهانهم ذكريات الماضي الأليم، وبسبب حصولهم على حق في بلدهم الجديد، "الجنسية- الإقامة الدائمة"، يُمكن أن يدفع بهم إلى ساحة للقتال في وطن بعيد عن وطنهم الأصلي.

 

حرب روسيا

 

رفض الخروج دفاعًا عن الحياة

حسب رئيس الجالية الفلسطينية في أوكرانيا، حاتم عودة، فإن عدد الجالية يُقدر بنحو 3500 شخص؛ منهم من غادر إلى غرب أوكرانيا ومنهم من قرر الهرب خارج الحدود، لكن من لم يُسمح لهم بالخروج هم من يحملون الجنسية الأوكرانية وبعض ممن لديهم إقامات دائمة؛ لأن من يصير على الأوكران سيصير عليهم.

 

رئيس الجالية الفلسطينية تحدّث عن أن أمر الدخول في الحرب ليس إجبارًا، لكن عشرات الشباب الفلسطيني الذين يوجدون على أرض أوكرانيا رفقة عائلاتهم قرروا الدفاع عن حياتهم ومنازلهم وعدم الخروج بأية حال من الأحوال، وبالفعل شكلوا لجانًا شعبية مهمتها ضمان الأمان داخل المدن، لكنّهم لن يحملوا السلاح على الحدود أو حتى الوجود بالقواعد العسكرية، لكنها فقط للدفاع عن قلب المدن.

 




الهروب نحو التجنيد الإجباري

 

بين ليلة وضُحاها تبدَّلت حال وليد وشقيقه، فقبل سنوات هربا من حرب اليمن نحو وجهة أكثر أمانًا؛ رافقتهما في تلك الرحلة أحلامٌ سعوا لتحقيقها ونسيان آثار الماضي.. دمار وخراب حوَّلا وطنهما "اليمن السعيد" إلى مكان تُرصف شوارعه بدماء أبنائه، لكنَّ القدر شاء أن يعيش الشقيقان مرارة الحرب مرة ثانية في وطنهما البديل.


"وليد الصنعاني"، شاب يمني، خرج قبل نحو 8 سنوات من وطنه رفقة شقيقة الأصغر، كان وليد الأكثر حظاً بين العديد من أبناء وطنه، فمع بداية الحرب قرر المُغادرة وساعده في ذلك ميلاده في أوكرانيا؛ لذا كان الأمر سهلاً بالنسبة إليه، فخرج رفقة شقيقه لبدء حياة جديدة بعيدًا عن الدمار الذي خلفته الحرب في بلادهم.

 

الحرب في اليمن


"ماكناش متوقعين إن ده يحصل حتى الأوكران نفسهم فروا في يوم وليلة"، عام 2015 استقرّ وليد بالعاصمة الأوكرانية كييف، والتحق بأحد الأعمال الحرة وتزوج من فتاة أوكرانية وأنجب منها 3 أطفال، ومع الاستقرار الذي حصل عليه الشاب العشريني قررّ أن يكون موثقًا فقدم طلبًا للحصول على الجنسية الأوكرانية؛ لكنّه تفاجأ بأن عليه التنازل عن جنسيته الأصلية "اليمنية.


رغم البحث عن حياة أفضل؛ لكن وليد لم يكن في مُخيلته التنازل عن جنسية وطنه، فكّر كثيرًا حتى توصَّل إلى حل يُمكنه من الاحتفاظ بجنسيته؛ لكنّه سيواجه خطورة افتضاح أمره من قِبل السلطات الأوكرانية، إلا أنه قرر المُغامرة، فأثناء تجهيز أوراق الحصول على الجنسية الأوكرانية قدَّم أوراقًا تُثبت تنازله عن جنسيته الأصلية؛ لكنّ تلك الأوراق لم يُثبتها بصفة رسمية.

 

"رفضوا يخرجوني لما طلعت الجواز الخاص بي"، الفتى العشريني الذي خرج من اليمن دون عودة، مع بداية الحرب في أوكرانيا قرر الهرب مع عائلته، وبعد ساعات قضوها بين نيران الروس حتى كاد اليأس يتملكهم وأدركوا أن النجاة من الموت ستكون صعبة تلك المرة.

 

 

مع إصرار الشاب وعائلته، نجحوا في الوصول إلى حدود رومانيا؛ لوجود تسهيلات عدة عليها عكس حدود أخرى، وهنا وُلد الأمل في قلب الشاب من جديد، حتى اصطدم بالواقع فلم يُسمح له وشقيقه بالمرور من الحدود باعتبارهم مواطنين أوكران عليهم العودة وحمل السلاح للدفاع عن أرضهم. وعلى الرغم من مُحاولات وليد العديدة للسماح لهم بالمرور من أجل أطفاله؛ فإن جميعها باءت بالفشل، فالإجابة كانت "عائلتك فقط ستمر أنت لا".

 

لم يكن أمام الفتى خيارات أخرى سوى الانتظار، فالعودة إلى العاصمة تعني الهلاك، لذا قرر استئجار منزل بالقرب من الحدود وقضاء عدة أيام به حتى يتمكن من الوصول إلى خطة جديدة للخروج، وبالفعل نجح في ذلك عن طريق التواصل مع سفارة بلده الأم والتي ساعدته في تجديد هويته السفرية لمدة 3 أشهر، ومنحه أوراق تُثبت أنه وشقيقه مواطنان يمنيان.

 

لاجئون أفارقة في حرب أوكرانيا


"أنا خايف انكشف في الجوازات بس كله على الله ما في حل تاني"، قرر الشاب أن يُغامر من أجل النجاة، وبدأ يستعد لتلك الخطوة فسيعود من جديد إلى الحدود الرومانية للخروج، لكن في تلك المرة ستذهب زوجته وأطفاله ضمن صفوف اللاجئين الأوكران، بينما يقف هو وشقيقه في صفوف الجنسيات غير الأوكرانية.

 

رغم خروج وليد وشقيقه من وطنهما قبل سنوات؛ بحثًا عن مستقبل جديد في دولة أخرى، ذهاب دون عودة، لكنّهما رفضا التنازل عن هويتهما الأم حتى لو كلّفهما الأمر كثيرًا، واليوم، بات هو مُنقذ عائلته الوحيد للخروج بعيدًا عن ويلات حرب جديدة.

 

حرب أوكرانيا

 

 ممنوع الخروج

حسب قول رئيس الجالية اليمنية في كييف، محمود الجدحي، فإنه تم منع خروج المواطنين اليمنيين ممن يحملون الجنسية الأوكرانية، إلا في حالات مرضية فقط، متابعًا بأن عدد الجالية اليمنية في أوكرانيا قليل، فيبلغ نحو 800 شخص موزعين على كل المدن، غالبية هذا الرقم، وفقًا له، طلاب بنحو 85% والباقي تحولوا من طلاب إلى عائلات استقروا و تجنسوا.

 

الخروج في هذا الأمر يمكن أن يتم في حالة واحدة وهي امتلاك المواطن هوية سفر يمنية حتى لو انتهت فإنّ السفارة ستساعد في تجديدها، لكنّ كثيرين ممن حصلوا على الجنسية أُجبروا من التنازل عن الجنسية اليمنية لذا فلا خيار أمامهم سوى البقاء في منازلهم وفقًا للجدحي، والذي أكّد أنه حتى اللحظة لم يُسجل انضمام أي مواطن من أصول يمنية ضمن صفوف الجيش الأوكراني رغم انتشار أنباء تُفيد هذا الأمر؛ لكن لم يتم التأكد منها حتى اللحظة.

 




البحث عن العودة إلى الأم

31 عامًا قضاها الكردي جينكيز خارج سوريا، لم يسلم من مُلاحقة الحرب في وطنه فهرب تاركًا خلفه عائلته باحثًا عن وطن آخر؛ لكن الحرب أدركته في أرضه الجديدة.. ورغم رفضه الهروب هذه المرة، فإنه لم يسلم أيضًا من فقدان عائلته التي خرجت إلى أوروبا وتركته وحيدًا يواجه نيران الروس.

 

في عام 1991، جاء جينكيز إلى أوكرانيا لتحقيق حلم الالتحاق بإحدى الكليات الطبية، فدرس الصيدلة، وبعد 6 سنوات قضاها في الغُربة عاد إلى وطنه من جديد؛ لكن وبسبب مشكلات سياسية مع الحكومة، قرر الفتى مُغادرة وطنه بلا عودة هاربًا بعد عدة أشهر فقط من عودته للبحث عن وطن آخر، فلم يجد أمامه وجهة سوى أوكرانيا التي قضى بها عدة سنوات.

 

 

جينكيز سوريا


"أنا استغنيت عن الجنسية السورية وبدأت حياة جديدة"، في قلب مدينة أوديسا عاش المواطن السوري، بين الحين والآخر كان يفتقد صوت أمه وحديث أشقائه الذين تركهم خلفه؛ لكنه قرر استكمال طريقه الذي دفعته الظروف نحوه فتزوج من سيدة أوكرانية وأنجب منها ابنتين توأم، واستقرت حياته حتى دق ناقوس الحرب.

 

في بداية الحرب السورية ومع عدم الاستقرار في البلاد، دفع الشوق "جينكيز" لزيارة عائلته في الشمال السوري؛ فغامر بحياته وذهب بطريقة غير شرعية، ومكث أياماً معدودة حتى عاد إلى أوكرانيا مرة ثانية؛ لكنّ الحرب لم تتركه فلاحقته من سوريا إلى أوكرانيا، "قبل ما تبلش الحرب قُلت للشباب الرئيس الروسي مابيهزرش وهيصير حرب؛ لكن كتير مصدقونيش".

 

قبل نحو 5 أيام من الغزو الروسي لأوكرانيا، قرر السوري أن يُخرج عائلته إلى دولة أوروبية أخرى، فخرجت الأم رفقة ابنتَيها إلى ألمانيا وظلّ الأب وحيدًا يواجه مصيرًا مجهولاً، ومع شدة الدمار التي تحدث حاليًّا في أوكرانيا، لا يملك الأب قرار الخروج كونه حاملًا الجنسية الأوكرانية وممنوعاً عليه تجاوز الحدود؛ بل الذهاب إلى ساحات الحرب. الغريب أنه لا يُمانع في ذلك، فإذا طُلب منه حمل السلاح سيفعل.

 

 

"أنا لو خرجت هرجع لأمي في سوريا ما بدي أهاجر دولة أوروبية"، لم يضع جينكيز الخروج إلى أوروبا في حسبانه، بل يتطلع أن يحمل حقائبه ويعود إلى أحضان أمه في الشمال السوري؛ لكن هذا الخيار أيضًا حاليًّا لم يعد بيدَيه فخروجه من أوكرانيا مرهونًا بقرار من الحكومة، أو بطرق غير قانونية سيدفع بها مئات الدولارات ويمكن أن تفشل أيضًا.

 

لا يزال جينكيز صامدًا تحت القصف الروسي، يحاول أن يُساعد أبناء مدينته أوديسا، يستجب لاستغاثات الجنود الأوكران، يحمل إليهم طعامًا وملابس في بعض الأماكن التي يوجدون بها، لكن إذا ساءت الأوضاع، لن يكون أمامه خيارات سوى العودة إلى وطنه الأم سوريا، ومحاولة البحث عن طريق للقاء ابنتَيه مرة ثانية.

الحرب على أوكرانيا

 

صعوبة الرحيل


الدكتور منتصر بلبل، مسؤول بالجالية السورية في أوكرانيا، تحدّث عن قرار تجنيد اللاجئين السوريين ممن يحملون الجنسية الأوكرانية، بأنّ الحكومة الأوكرانية تسعى لتنظيم عمل هؤلاء؛ فمن يحملون الجنسية يتوجب عليهم حمل السلاح، أما من لديهم إقامة دائمة فسيتم انضمامهم إلى فيلق جديد تم إنشاؤه خصيصًا لهم من أجل تنظيم عملهم حتى لا يتسنى لروسيا فرصة باتهام أوكرانيا بأن جيشها يحوي إرهابيين أو مرتزقة؛ لكن حتى الأمر بالنسبة إلى غير المجنسين هو ليس إجبارًا.

 

حسب الدكتور منتصر بلبل فإنّ عدد اللاجئين السوريين في أوكرانيا يبلغ نحو 1500 مواطن، أغلبهم خرج مع بداية الحرب ويتبقى عدد قليل فقط، وهؤلاء ممنوعون من السفر بسبب حملهم الجنسية الأوكرانية.

 

هروب مرهون بالجنسية

 

في عام 1992، قرر المواطن العراقي حسن العبيدي، بعد حصوله على شهادته الثانوية، دراسة الطب؛ فعقد العزم على السفر خارجًا، متوجهًا نحو أوكرانيا التي اشتهرت بجامعاتها الطبية. نجح الفتى في السفر إلى وجهته الجديدة وتخرج عام 2000 ليرسم لنفسه مستقبلاً بعيداً عن وطنه الأم الذي طالته ويلات الحرب، لكنّه لم يُدرك أن تلك الحرب ستحاصره بداخلها.


"كان ممكن أحصل على الجنسية الأوكرانية من زمان بس مارضيتش"، في عام 2013 قرر حسن الحصول على الجنسية؛ خصوصاً بعدما تزوج بفتاة أوكرانية وأنجب منها طفلَين، لكن في المقابل كان عليه التنازل عن جنسيته العراقية، الأمر كان صعبًا على الطبيب؛ فإما أن يستمر بهويته العربية وهناك سيفقد العديد من الفرص التي تُمنح لأهل الأرض وإمّا أن يتنازل عن هُويته مقابل تحقيق حلمه بأوروبا.

 

الحرب على أوكرانيا


فكَّر حسن كثيرًا وقرر التنازل عن هويته العراقية؛ لكنّه بعد حصوله على الجنسية الأوكرانية عاد إلى هويته الأم من جديد وحصل عليها ليُدرك صواب قراره اليوم؛ خصوصاً أن خروجه من أوكرانيا بات مرتبطًا بمصير هويته العراقية، والتي من دونها لن يمر من الحدود وهو حامل الهوية الأوكرانية؛ فسيكون مطلوبًا للحرب باعتباره مواطنًا، إضافة إلى كونه طبيبًا.


"احنا في القرية محاصرين من قوات روسية ومابنقدرش نخرج بأي شكل"؛ يعيش حسن حاليا في منزل صغير بإحدى القرى التي تبعد عن العاصمة بنحو 30 كم رفقة أسرته وأسرة شقيقه الذي يعمل طبيبًا هو الآخر، ينتظرون مصيرهم الذي بات يحدده الروس؛ خصوصاً بعد حصارهم من كل الجهات؛ فلا يوجد أمامهم سبيل سوى أن يمنحهم الروس طريقًا أخضر للخروج، وحتى اللحظة مُهمته تقديم المساعدات الطبية لأهل القرية.


في القانون الأوكراني يُجبر الأطباء الذين يعملون بالمستشفيات بالتوقيع على وثيقة تفيد أنهم في حالة الكوارث أو الحروب لا يغادرون أرض الوطن بل يذهبون لمداواة الجنود في ساحة القتال؛ لكن حسن وشقيقه الذي يعمل طبيبًا أيضًا رفضا الانصياع لهذا الأمر وقررا العمل بشكل خاص، في السابق دون أن يُدركا أنّه من الممكن أن تقوم حرب.

 


"احنا محاصرون لليوم الخامس وممنوع علينا الخروج" على الرغم من الحصار الذي طال وفي المقابل بدأت المؤن الخاص بهم تنفد، فإن المواطن العراقي ينتابه بعض الخوف حال خروجه بأمان ووصوله إلى الحدود، فشقيقه سيخرج رفقة أسرته دون مشكلة لأنه لا يحمل الجنسية، بينما هو يخشى أن يتم إيقافه بسبب الجنسية والدفع به نحو محطات العلاج الطبي للجنود، بينما زوجته وابنتاه لن يوافقن على الخروج دونه وسيظللن في خطر.

 

الخروج نحو الحدود بات أمرًا صعبًا أمام حسن؛ لذا فالتفكير للذهاب نحو غرب أوكرانيا والبحث عن منطقة آمنة، هو الحل الأمثل حاليًّا، وحتى يحين الوقت الذي سيسمح لهم الروس بالمغادرة بطريق آمن، يقوم بواجبه نحو وطن قضى بداخله ثلاثين عامًا، حيث يجمع الطبيب معلومات عن الجنود الروس المُحاصرين لقريته وتحديد مكانهم وكميات سلاحهم ويرسلها على الفور إلى القوات الأوكرانية التي فعلت شبكة معلوماتية يمكن للمواطنين المساهمة بالمعلومات عن طريقها، "احنا بنساعد الجيش، في النهاية أوكرانيا كانت أرضاً ووطناً لنا".

 

الحرب على أوكرانيا

 

الوثيقة الخاصة بالكوارث

حسب الصحفي العراقي والمقيم في أوكرانيا نعمان محمد، فإنّ من يحمل شهادة الطب من العرب ويعمل في المستشفيات الأوكرانية فأجبر على المشاركة في إسعاف الجنود، خصوصاً إذا كان ضمن الموقعين على الوثيقة الخاصة بالكوارث والأزمات.


وفقاً لنعمان، فإن الجالية العراقية في أوكرانيا تعد من الجاليات القليلة، فالعراقيون في أوكرانيا لا يتجاوزون ألف مواطن؛ أغلبهم من الطلاب والذين لا يندرجون تحت مُسمى الجالية، لكن من يحمل الإقامة الكاملة من العراقيين بأوكرانيا نحو 50 شخصًا فقط، أغلبهم خرج بالفعل مع اندلاع الحرب.

 

حرب روسيا وأوكرانيا

 

الخاتمة

قديماً كان التنازل عن الهوية سيمنحهم المزيد من الفرص الكبرى، حياة جديدة ومستقبل باهر للأبناء وغيرهما؛ منهم مَن سار خلف تلك الأحلام وآخرون لم يتنازلوا، حتى كافأتهم هويتهم اليوم، فجاءت لتكون المنقذ الوحيد للهروب من الحرب الدائرة في أوروبا.. فالبعض كانت الهوية الأم بالنسبة إليه بلا قيمة ما دام سيواجد تحت سماء القارة العجوز، لكن اليوم أدركوا أن فقد الهوية قد يصل أحيانًا إلى فقد الحياة.







أضف تعليقك