على أمل العودة.. حيرة المصير لأبناء المسافات البعيدة تحت نيران الحرب

على أمل العودة
على أمل العودة


تحليل للنجاة من صواريخ الروس.. أسرة عمر تصلي لعودة ابنها

تحليل ويلات الحروب.. أسرة هديل تخشى المصير المجهول

تحليل تحت القصف الروسي.. أسرة محمد تحلم بعودة ابنها لأرض الوطن

تحليل الهروب إلى مترو الأنفاق.. الرعب يجتاح أسرة مريم بسبب الطائرات الروسية


في فجر الخميس الرابع والعشرين من فبراير، بينما كان البعض يُتابع أخبار الحرب بترقب وتعاطف؛ كان هناك آخرون تحولت منازلهم إلى بكاء وعويل خوفاً على أبنائهم الذين يُنازعون الموت تحت نيران الروس.

شباب من بلدان عربية مختلفة امتلكوا حلماً سعوا لتحقيقه بعيداً عن أحضان ذويهم؛ لكن القدر شاء أن يضع هؤلاء في اختبار صعب، وهو النجاة بحياتهم وترك حلمهم خلفهم لمصير لا يعلم سواه إلا الله.

أُسرة مريم وهديل وعمر ومحمد.. وغيرهم العائلات التي تنتظر عودة أبنائها ونجاتهم من الحرب، رعب اللحظات الأولى من القصف لم يعشها الأبناء فقط؛ بل عاشت عائلاتهم الرعب ذاته في أوطانها.

 

على أمل العودة

 

أسرة عمر تصلي لعودة ابنها

6 سنوات قضاها الفتى بمدينة خاركوف الأوكرانية أو كما يطلق عليها مدينة العلم، خلال تلك المدة كانت الأم تعيش لحظات من الخوف والقلق وبين الحين والآخر تطلب منه العودة إلى أحضانها وتحقيق حلمه بجوارها، لكن حلم الفتى كان أكبر من أي شيء آخر حتى دقت ساعات الحرب وأصبح وحيداً في بلد غريب دون مأوى آمن.

في شمال مصر وبمدينة المنصورة تعيش أسرة الشاب عمر، الفتى الذي يدرس في الفرقة السادسة بكلية الطب جامعة خاركوف الوطنية، كان الوضع هادئًا داخل منزل تلك الأسرة البسيطة الأب أديبًا وكاتبًا والأم ربة منزل تهتم برعاية أبنائها، تدعو الله في جوف الليل أن يعود نجلها الأكبر من غربته لأحضانها.

تمر الشهور المتبقية على انتهاء الفتى من دراسته ثقيلة على الأم، لكنّها مُتيقنة أن فرحة صغيرها بشهادته الكُبرى ستنسيهم مُر تلك السنوات التي عاشوها، وبالرغم من أن الأم كانت دائمة القلق على نجلها، حتى أنه حينما كان يُصاب ولو بمرض بسيط تُصر على عودته "كان يحصل أي أزمة تقوله ارجع وخلاص مش عايزة طب ولا أي حاجة".

 

 

كان عمر مجتهداً في دراسته حصد على مجموع مرتفع في الصف الأول والثاني الثانوي، لكن ظروف مرضه الشديد في الثانوية العامة وقفت عائقًا أمام حصوله على مجموع مرتفع بالصف الثالث، والذي منعه من تحقيق حلمه بالالتحاق بإحدى الكليات الطبية في مصر حتى أن مجموعه لم يُناسب الجامعات الخاصة.

وبالرغم من محاولات الأسرة إقناع الفتى بالالتحاق بكلية الآداب شعبة اللغة الإنجليزية لكنّ الفتى أصر على أن يُصبح طبيبًا فلم يكن أمام الأب سوى الانصياع لرغبة صغيره، والتقديم له بإحدى جامعات أوروبا، وبالفعل تميز الفتى في دراسته حتى وصل للمرحلة النهائية، لكن مؤشرات الحرب التي ظهرت قبل أيام دفعت والديه لإقناعه بقرار العودة إلا أن الجامعة كان لها رأي آخر ورفضت السماح للطلاب بالمغادرة، ولم يكن أمام عمر سوى الاستمرار.

 

 

"أول لما عرفت بأخبار الحرب كنت في مأمورية بالعاصمة الكبرى ومقدرتش أبلغ والدته" في صباح يوم الخميس تفاجأ الأب باندلاع الحرب، انتفض من مكانه محاولًا الوصول لصغيره، أجاب الفتى على والده وطمأنه بأن القصف يبعد عنهم ولا يصلهم سوى صوت الطائرات فقط، لكن بعد ساعات ازداد الوضع سوءًا وانقطعت الكهرباء بالمدينة وفُرضت الأحكام العرفية ولم يكن أمام عمر ورفاقه سوى الاختباء بملاجئ مترو الأنفاق.

 

طلاب مصريين

 

ساعات مرت على الأب مُحاولاً البحث عن طريق لتوفير الأمان لنجله رغم بُعد المسافات بينهما فلم يجد أمامه سوى مواقع التواصل الاجتماعي، فيما جلست الأم بمنزلها بعدما وصلتها الأخبار تقيم صلاتها تدعو الله أن يعود صغيرها إلى أحضانها في أمان، خاصة وأن المدينة التي يعيش بها في مرمى صواريخ الروس، وتبعد مسافة كبيرة عن أقرب بلدة حدودية يمكن للصغير أن يلجأ إليها ورفاقه للهروب من الحرب.

 

النزوح من أوكرانيا

 

 

أسرة هديل تخشى المصير المجهول

واجهت هديل، في سنوات طفولتها الأولى ويلات الحرب وفي شبابها لم يختلف الوضع كثيراً، حتى جاء الوقت للبحث عن مكان آمن للحياة، فغادرت وطنها بحثاً عن سُبل النجاة من ناحية والمستقبل من ناحية أخرى فلاحقتها الحرب إلى مُستقرها الجديد.

 

بأحد أحياء مدينة الموصل العراقية، عاشت أسرة الفتاة العشرينية ليلة صعبة، مشاهد بثتها القنوات حبست أنفاسهم راودهم القلق والخوف على ابنتهم الصغيرة، المشاهد التي شاهدوها قديماً في وطنهم وما زالت آثارها إلى اليوم، تعيش صغيرتهم وسطها بدونهم، في الماضي كانوا سوياً يطمئنون بعضهم لكن اليوم هديل بمفردها تترقب مصيراً لا يعلمه أحد.

 

"قلت لبنتي ترجع بس الجامعة رفضت نزولها وكان ممكن سنين دراستها تضيع لو عادت" الطالبة تدرس الطب بأوكرانيا، حلمت منذ الصغر بأن تكون طبيبة رغم ظروف وطنها لكنها أصرت على تحقيق حلمها، عارضتها الأسرة في البداية خوفاً عليها لكن إصرار الفتاة دفعهم بالنهاية للموافقة، حتى جاءت الحرب، حاول الأب إعادة ابنته لكن الجامعة حالت دون تحقيق مراده.

 

الحرب

 

لم تُغلق شاشات التلفاز منذ أمس، يتبادل الأب القنوات لمعرفة آخر الأخبار، بينما تحاول الأم التواصل مع ابنتها بين الحين والآخر، فتارة تنجح محاولتها وتارة أخرى تفشل نتيجة انقطاع الاتصال، وهنا تبدأ لحظات من الحزن والبكاء خوفاً على الفتاة الشابة.

"بتمنى بنتي ترجعلي وما بدي شهادة" لم يتبق الكثير على حصول هديل لشهادتها، لكن الظروف التي حدثت جعلت مصير الفتاة ورفاقها مجهولاً لدى الجميع، أسرة الفتاة تطلب المساعدة، أشقاؤها ورفاقها يستغيثون عبر مواقع التواصل لإنقاذها، فيما يحاول والدها الاتصال بمسؤولي القنصلية في كييف لمعرفة مصير ابنته، لكن لا تملك تلك الأسرة أمامها سوى الدعاء آملين أن يكون السبب في نجاة الفتاة الشابة.

 

حرب أوكرانيا

 

العودة إلى أرض الوطن

الوضع لم يختلف كثيرًا لدى أسرة الشاب اللبناني محمد تاراف، كغيرها من الأسر العربية، التي عاشت لحظات قاسية خوفًا على أبنائها، فالطالب بالفرقة الثالثة من كلية الطب بجامعة خاركيف الأوكرانية، قرر البحث عن حلمه وحلم والده بالسفر خارجًا، ورغم الظروف الصعبة التي تعيشها الأسرة في مدينة صور إحدى محافظات الجنوب، لكنّهم كانوا مطمئنين على نجلهم في الجانب الآخر من البحر، حتى حدث ما لم يتوقعه أحد.

 

حرب أوكرانيا

 

في السادسة صباحًا من يوم الخميس الماضي، استيقظ والد الشاب للذهاب إلى عمله، حمل هاتفه وقرر الاطلاع على الأخبار ليتفاجأ بأنباء الحرب الروسية على أوكرانيا، فزع الأب وانتفض قلب الأم خوفًا على نجلها، خاصة وأن مدينة الابن لم تخلوا من صواريخ الروس لساعات طويلة.

تسارعت دقات قلب الأم، وهي تمسك بهاتفها تنتظر إجابة صغيرها حتى تطمئن عليه، كان القدر مُحالفًا للفتى فبرغم الحرب لكن هاتفه لازال به نقطة اتصال كانت هي أمل التواصل الآخير بينه وبين أسرته، أجاب محمد على والده وأخبره أنه بخير فلم تُصب منطقتهم نيران الروس لكنّ أصوات القصف جعلتهم يهرولون إلى الملاجئ وأنفاق المترو.

كان حلم أسرة محمد مشروعًا أن يعود إليها ابنها بشهادته الكبرى، يتفاخرون بحصوله على شهادة الطب من إحدى جامعات أوروبا، فلطالما حلم الولد أن يُصبح طبيبًا، لكن ما حدث في الساعات الماضية جعل الأسرة تتمنى لو أن يعود صغيرها ولن تسمح له بالسفر بعيدًا عنهم.

 

حرب أوكرانيا

 

"فيه ناس رجعت وناس فضلت والنتيجة أهو ولادنا بيواجهوا الموت بعيد عننا"، مع بداية الأحداث واشتعال الأزمة بين روسيا وأوكرانيا حاولت أسرة الشاب إقناعه بالعودة إلى بلدته، لكن الجامعة أبلغتهم بأن الطالب الذي يسعى للمغادرة ستكون حظوظه ضئيلة في العودة مرة ثانية وسيتحمل مسؤولية نفسه، لذا لم يكن هناك خيارات أمام الشاب سوى الاستمرار، وحاليا يتمنى العودة بأمان لأحضان ذويه.

الأمور بالغة الصعوبة على أسرة محمد في لبنان، وعلى الشاب بأوكرانيا، الاثنان لم تغفل أعينهم منذ بدء الأحداث، تُفرقهما المسافات لكن يجمعهما الدعاء كلاهما يدعو الله أن يلقى أحبته قريبًا، تتابع الأسرة الأخبار على الشاشات بشغف ويملئ الأمل قلبهم باتصال هاتفي بين الحين والآخر من صغيرهم.

 

أوكرانيا

الرعب يجتاح أسرة مريم

في مدينة الدار البيضاء بوسط المغرب تعيش أسرة الطالبة مريم، الفتاة التي تدرس في الفرقة الرابعة بكلية الطب جامعة خاركوف الوطنية الطبية، قبل بداية الحرب كانت الابنة الصغرى للأسرة تتواصل معهم بشكل دائم لكن في الساعات الماضية تبدّل الحال.

مع بداية التوترات بين أوكرانيا وروسيا سعت أسرة العشرينية أن تُقنع ابنتها بالعودة إلى وطنها، لكنّ الفتاة التي أصرّت قبل سنوات على الالتحاق بكلية الطب حتى لو كلّفها الأمر البُعد عن أسرتها ووطنها، لم يكن أمامها خيار سوى الاستمرار خاصة بعدما رفضت الجامعة السماح لها وغيرها من الطلاب بالعودة إلى بلدانهم.

الطلاب المغاربة في أوكرانيا بين نيران الحرب والبحث عن سبل النجاة صحيفة  العربي الجديد : برس بي

 

"أختي في الأول قالت لنا الحرب بعيد عنها لكن بعد كده فقدنا التواصل" شقيقة مريم حاولت الاطمئنان عليها، فمع بداية الحرب علمت الأسرة عن طريق الأخبار ومواقع التواصل، حينها تبدّل حال الصيف الماضي، بينما يُحاول الأب أن يُطمئنها لكن في داخلها خوف كبير والشقيقة تترقب كل الأخبار وتستغيث عبر مواقع التواصل لمساعدة أختها.

 

 

تواصلت مريم مع أسرتها في اللحظات الأولى من الحرب، طمأنتهم بأن القصف بعيد عن محل سكنها فالقصف في كييف بينما هي في خاركوف لكن الاتصال انقطع، وبعد ساعات عاد لتتواصل الفتاة على الفور مع أسرتها، وأبلغتهم أنّها هربت إلى أحد الملاجئ بمترو الأنفاق لكن مع هدوء الوضع عادت إلى منزلها والاحتماء بالقبو الخاص به.

"أدليت بمعلومات عن أختى للقنصلية وأخبروني أنهم سيناقشون الحل" أسرة مريم وغيرها من العائلات التي لا يزال مصير أبنائها مجهولاً تحت نيران الطائرات الروسية، حاولوا البحث عن حل لإعادة أبنائهم فلم يكن أمامهم سوى الذهاب إلى الرباط للاستغاثة بالمسؤولين الذين أبلغوهم أنّ الحل الذي تتم دراسته حالياً محاولة إجلائهم عبر الحدود، أيضاً شقيقة مريم هي الأخرى تسعى للبحث عن حل لنجاة شقيقتها فتواصلت مع القنصلية المغربية بكييف وأبلغوها أيضاً أنّهم يتابعون الأوضاع ومن الممكن قريباً توافر حلول.

 

قد تكون صورة لـ ‏‏‏٤‏ أشخاص‏ و‏نشاطات في أماكن مفتوحة‏‏

 

لطالما كانت أرقام الضحايا هي الأبرز على شاشات التلفاز وفي نشرات الأخبار، لكن مع الأيام هذه، هنالك من بات يراقب الشريط الأحمر في أسفل الشاشة، عله يشاهد اسمًا اعتاد سماعه أو صورة مرافقة ربما يجد فيها ملامح ابنه القابع تحت النيران على بعد آلاف الأميال للاطمئنان عليه.







أضف تعليقك