كلهم "ريان".. آبار العرب تقسو على أطفالها

أطفال في غيابة الجب
أطفال في غيابة الجب


سقط رأساً بقاع البئر.. والد حسن ظل يناجيه 4 ليالٍ حتى خروجه جثة هامدة

"سبايدرمان" العراق.. معجزة إخراج الطفل منير من البئر حياً

تشابهت الأسماء واختلفت النهاية.. تفاصيل انتشال ريان العراق من غيابةِ الجب

هيثم.. طفل بنغازي ابتلعته البئر 6 ساعات حتى طفا على سطحها


تجمع الملايين حول الشاشات بانتظار إنقاذ الطفل "ريان"؛ لكن كان من بين هؤلاء مَن تابع الأمر بشكل مُختلف، فتلك الواقعة أعادت إليه ذكريات تجربة يُحاول نسيانها؛ خصوصاً أن بعض المشاهد التي خرجت في حكاية ريان لم تكن متعلقة بالصبي المغربي، لكن كان وراء الحكاية أبطال آخرون علقوا في غيابة الجب.


"بئر وحفرة واستغاثة".. تشابهت الكلمات في كل القصص واختلفت في تفاصيلها وروايتها؛ من سوريا إلى العراق، مرورًا بليبيا، في كل قطر من الوطن العربي كانت هناك حكاية "ريان"؛ البعض منها انتهى بسعادة، بينما الأخرى تركت جرحًا غائرًا في قلوب الأحباب.

 

في هذا الملف، نسرد حكايات على لسان أُسر أطفال علقوا في الآبار، وكيف أعادت واقعة الطفل ريان مشاهد لأبنائهم على الشاشات، إضافة إلى حكاية عصفور آخر لحق بريان بعد ساعات فقط من مغادرته.

أطفال في غيابة الجب

 

سقط رأساً بقاع البئر

في الثالث من مارس الماضي، تأهب أصحاب الخوذ البيضاء في الشمال السوري، بعدما ورد إليهم بلاغ يفيد سقوط الطفل حسن ذي الأعوام التسعة في إحدى الآبار ببلدة كفروحين شمالي إدلب، رغم محاولات الإنقاذ التي استمرت ساعات طويلة؛ لكن الصبي انتهت رحلته عند حافة البئر.

 

حكاية حسن كانت مُختلفة عن غيره؛ فالطفل الذي نال نصيباً من لقب عائلته "الزعلان"، قضى سنوات عمره البسيطة باحثاً عن رزقه في إنشاء الآبار؛ لتكون نهايته في قاع إحداها، فقبل نحو 5 أعوام نزح الصبي رفقة أسرته هربًا من الحرب، واستقروا داخل أحد المخيمات في شمالي إدلب، وبسبب الظروف رفض حسن الذهاب إلى المدرسة وقرر العمل مع والده الضرير لتوفير نفقات علاج شقيقه الأصغر.

 

 

"قال لي يابا هاساعدك في الشغل علشان أطيِّب أخويا"، قرر الصغير مساعدة والده في مهنة إنشاء الآبار، وكانت مهمته العمل على الحفار، وفي يوم الواقعة استيقظ حسن من نومه باكراً للذهاب مع عمه ووالده إلى محل عملهم في منطقة كفروحين، التي يحفرون بها بئرًا جديدة.

 

عمل الصبي بجد وكأنه شاب يافع؛ فتحمل مشقة لا يتحملها طفل في عمره، وفي يوم الرحيل كان جالسًا على كرسي الحفار منهمكًا في عمله، فسقط حجر من الأعلى على الأزمير، وتسبب في حدوث خلل بالكابل الموجود، فأدى إلى سقوطه على رأسه، ما دفع به إلى داخل البئر.

 

"فضل يصرخ ويقول يا بابا طلّعني؛ لكن ماقدرتش أعمله شيء لغاية لمّا توفى"، سقط الصغير داخل البئر الذي بلغ طوله نحو 25 مترًا، بوضعية صعبة، فرأسه كان بالأسفل وقدماه للأعلى، وظل نحو 6 ساعات يستغيث بوالده الذي لم يقوَ على فعل شيء بعدما فشل في محاولات إخراجه، فأنزل إليه حبلًا والتقطه الفتى ثلاث مرات؛ لكنه كان يتشبث به نحو 3 أمتار ويسقط من جديد؛ بسبب ضيق البئر، لذا استعان الأب بقوات الدفاع المدني كمحاولة لإنقاذ صغيره.

الطفل حسن الزعلان

 

كنت بقول له جايلك جايلك يا ابني"، نحو 4 أيام قضاها الأب بجوار البئر يبكي على فلذة كبده ويُنادي عليه دون إجابة من الصغير، بينما مكثت الأم في المُخيم تنتظر زوجها وطفلها اللذين غابا عنها فترة طويلة لأول مرة؛ لكن البعض أبلغوها أن هناك عملًا شاقاً، لذا سيغيب حسن ووالده لحين الانتهاء منه.

 

ساعات قضاها رجال الإنقاذ في محاولة لإخراج جثمان الصبي، بعدما أدركوا وفاته بعد فترة قصيرة من سقوطة، نجحوا في إخراج الجثمان فحمله والده وألقى عليه نظرة الوداع وعاد بصغيره إلى أمه لتودعه هي الأخرى، كانت الصدمة كبيرة عليها؛ لم تتعافَ منها، بل أعادت إليها مشاهد عملية إنقاذ ريان، الطفل المغرب، مأساة محاولة إنقاذ صغيرها.

حسن خضر

 

منذ ذلك الحين، قرر والد حسن ترك العمل في مهنة الآبار، واتخذ عمه أيضًا قرارًا بعدم استكمال حفر البئر التي ابتلعت الفتى، فكان من المفترض أن يتم حفر نحو 200 متر، لكنَّ الأسرة حالياً تعيش طروفاً قاسية؛ حتى إنهم في بعض الأحيان لا يجدون كسرة خُبز للطعام، ولا تكاليف علاج لطفلهم الآخر.

 

تمنى حسن أن يعيش طفولته؛ لكن الحياة لم تمنحه تلك الفرصة، فما بين الحرب التي دمرت منزله، وضيق معيشته داخل المخيم، ومرض والده وشقيقه الأصغر.. جميعها ظروف دفعت بالصبي للتنازل عن حقه الطبيعي في الحياة؛ لكنها لم تنصفه أيضاً وغدرت به فمات وحيدًا في قاع بئر مظلمة.

الطفل حسن الزعلان

 

معجزة إخراج الطفل منير من البئر حياً

غفلت الأم لدقائق عن طفلها ذي العام ونصف العام، اعتقدت أنه مع أحد أشقائه يلهو أمام المنزل؛ لكن بعد نحو ساعة أدركت اختفاءه، لتدرك في ما بعد أنه سقط في بئر المياه القريبة من منزلهم، وعلى الرغم من عمق البئر الذي بلغ نحو 50 مترًا؛ فإن القدر كتب النجاة للصغير على يد بطل أُطلق عليه في ما بعد "سبايدر مان" الموصل.

 

في السابع عشر من أكتوبر الماضي، وبأحد أحياء جيلو خان في سهل نينوى، شرقي مدينة الموصل العراقية، خاض الصبي أحمد حسن صالح، البالغ من العمر 16 عامًا، مغامرة لإنقاذ حياة جاره الطفل منير صاحب العام ونصف العام، والذي تداولت صورته الأيام الماضية بداخل المستشفى ونسبوها إلى الطفل المغربي ريان؛ لتعيد إلى الأذهان واقعة طفل نينوى.

منقذ طفل العراق

 

الطفل جاري ولما وقع كان الحل الوحيد إن حد ينزل ينقذه"، بطل القصة هنا كان طفلًا أنقذ آخر بمعجزة إلهية، في يوم الواقعة كان أحمد بمنزله حينما سمع عن سقوط جاره منير، خرج مُسرعاً رفقة الكثيرين من أبناء الحي، على الرغم من محاولات سكان المنطقة إنقاذ الطفل، والتي استمرت نحو 4 ساعات؛ لكن دون جدوى، ما دفعهم إلى طلب مساعدة الدفاع المدني.

 

محاولات رجال الدفاع المدني هي الأخرى فشلت في إنقاذ الطفل الذي كان يُنازع الموت بالبئر، فكروا في نزول أحد الشباب إلى البئر التي بلغ قطرها نحو ربع متر، أقدم نجل عم الطفل الشاب العشريني وقرر النزول؛ لكنه لم يصل إلا لثلاث أمتار فقط وشعر باختناق وضيق تنفس فأخرجوه على الفور.

 

 

"أنا أبويا شجعني وقررت أنزل من غير خوف"، وفي لحظة يأس وفقدان أمل من الجميع، انبرى الصبي أحمد وتطوّع للنزول إلى البئر؛ حيث بات صوت أنين منير ينخفض تدريجيًّا بعد نحو 6 ساعات قضاها بالداخل.. قرار أحمد الشجاع كان بسبب والده الضابط بالشرطة الاتحادية في الموصل، والذي تحدَّث مع صغيره وابنه البكر عن التضحية والبطولة ودفع به للمساعدة وإنجاز المهمة.

 

تقدَّم أحمد دون خوف، وعمل مسؤولو الدفاع المدني على إعداده، فزودوه بالأكسجين وتم توثيقه بالحبال جيدًا ونزل إلى البئر برأسه.. في طريقه إلى القاع لم يُفكر الصبي في شيء سوى إنقاذ الطفل والخروج سويًّا من الجب، فور وصول أحمد إلى القاع شاهد منير واقفًا على قدمَيه يئن بصوت منخفض لم يسمعه إلا بعد الوصول، فأمسك به من كتفه، وسُحب الاثنان بطريقة معقدة.

 

منقذ طفل العراق

 

"أنا نفسي أبقى شرطي في الدفاع الوطني"، يأمل الصبي أن يصبح شرطيًّا كوالده، وكانت بداية طريقة البطولة التي قام بها لإنقاذ جاره الصغير، فأطلق أهل بلدته عليه "سبايدر مان" وكرمته الشرطة الاتحادية والدفاع المدني على شجاعته الباسلة في إنقاذ الطفل، حتى إن الدفاع المدني خرجت لتعلن أنّه دون أحمد لفشلت عملية إنقاذ منير نهائيًّا.

 

خرج منير من البئر، وتعجب الجميع من خروجه بإصابات خفيفة.. رضيع ذو عام ونصف العام سقط في تلك الحفرة العميقة وعاد منها حيًّا كان الأمر أشبه بمعجزة؛ لكنّ رحلة الطفل لم تنتهِ بعد، فشاء القدر أن يضع أصحاب البئر قبل أكثر من شهر عدداً من الأنابيب لتغليفه، فساعدت تلك الأنابيب في إسناد الصغير وسط البئر قبل أن يسقط إلى أسفله.

منقذ طفل العراق

تشابهت الأسماء واختلفت النهاية

تشابهت الأسماء لكن اختلفت النهاية؛ الأول لا يزال ينعم بالحياة بينما غادرها الثاني، كلاهما اسمه "ريان" الأول في بلاد الرافدين والآخر يعيش بالمغرب العربي. في ليلة رأس سنة 2022 كان العالم بأكمله يحتفل بالعيد، بينما تجمعت أسرة عراقية تعيش في مدينة كركوك حول بئر صغيرة تتوسل بعودة صغيرها سالماً من قاعها.


في منطقة تياز، التي تبعد نحو عشر دقائق عن المدينة التي يعيش بها الصغير "ريان"، الطفل الذي جاء إلى الحياة مصاباً بمرض التوحد. ريان كان محبوبًا من الجميع؛ بل ومفضلاً لوالدَيه، الفتى كان يحب الحياة وينعم بها بأشكالها كافة، وفي الليلة الأخيرة من ديسمبر قرر والده رفقة أشقائه الذهاب في نزهة إلى مدينة تياز، وأثناء لعب الطفل مع إخوته الذين غفلوا عنه، سار نحو بئر للمياه وسقط بداخلها.

الطفل العراقي ريان


"ريان نزل في البئر التي كان عمقها نحو 35 متراً"، أعادت مشاهد محاولة إنقاذ الطفل المغربي تفاصيل الليلة المؤلمة على الأب، والتي لا يمكن أن يتجاوزها؛ فكان من الممكن أن يفقد صغيره بها، فتذكر بعضًا من تفاصيلها، فبعدما سقط ريان بالبئر لم يكن هنالك حل سوى رجال الدفاع المدني، والذي استمروا نحو 4 ساعات في محاولة الإنقاذ.

 

الطفل العراقي صاحب الـ8 أعوام، لم تتصدر صوره وسائل الإعلام العالمية؛ لكن بعد مرور نحو شهر تصدَّر بشخصية مختلفة؛ وهي الطفل ريان المغربي، بعدما نُشر فيديو لعملية إنقاذه، نُسبت إلى قوات الإنقاذ المغربية، أثناء استخراج الطفل صاحب الـ5 أعوام؛ لكنّ الحقيقة أن الفيديو كان لابن العراق.

الطفل العراقي ريان

 

نحو 9 ساعات ونصف الساعة، استغرقتها عملية الإنقاذ التي وُصفت بالصعبة؛ لكن الطفل كان متشبثًا بالحياة، وساعده في ذلك أنابيب الأكسجين التي أنزلتها فرق الإنقاذ داخل البئر؛ لتزويد الصبي بالهواء، وتمت خطة النزول إلى هذا العمق الكبير من خلال الحفر الجانبي لأنبوب البئر بحذر شديد؛ لعدم التسبب في أذى للطفل الذي كان صوت أنينه وبكائه من داخل الظلام يُدمي القلوب، وبالفعل وصلت قوات الإنقاذ إلى العمق المطلوب، وتم كسر الأنبوب وإخراج ريان.. "مكانتش مصدق إن ريان رجعلي تاني من الموت".

خرج الصغير من ظلمات البئر مُصاباً بجروح في رأسه ويدَيه؛ لكنَّ تلك الجروح تم تضميدها في ما بعد، على الرغم من أن الواقعة حتى اللحظة ما زالت تعيش بذاكرة الصبي، بينما تُحاول أسرته أن تُساعده في نسيانها؛ لكنّ أنباء الطفل المغربي ريّان كانت سبباً في أن يتذكر الفتى تفاصيل الساعات التي قضاها داخل ظلمات البئر.

الطفل العراقي ريان

 

هيثم.. طفل بنغازي ابتلعته البئر 6 ساعات

رُفع أذان الظهر داخل مسجد في بلدة دربانة بمدينة بنغازي الليبية، وهمَّ أهالي البلدة للحاق بالصلاة، وفي باحة المسجد كان هناك صبي يلهو بجوار بئر للمياه مكشوفة الغطاء، وبعد لحظات وفي غفلة من الجميع اختلّ توازن الصبي فسقط داخل البئر.

 

"هيثم مسعود"، طفل في الخامسة من عمره، يعيش رفقة والدَيه وأشقائه الثلاثة بمنطقة دربانة. اعتاد الصبي أن يرافق والده إلى المسجد يومياً للصلاة؛ لكن قبل نحو 3 أيام، خرج الأب مُسرعًا، فحاول الصغير اللحاق به، فسار خلفه دون إدراكه؛ حتى وصل إلى المسجد الذي يبعد أمتارًا قليلة عن منزلهما، وتوجه الأب نحو الصلاة بينما خالف الطفل وجهته وذهب يلهو بالباحة بجوار البئر التي تصادف كشفها من أجل ملئها بالمياه.

 

الطفل الليبي هيثم

 

"ابني هيثم كان متعود يذهب إلى المسجد، وكان بيلعب مع غيره من الأطفال بجوار البئر"، مسعود حيدر، الأب الذي خرج من الدنيا بأربعة من الأبناء، يعمل بوزارة التعليم الليبية، في يوم الإثنين الماضي لاحظ الأب اختفاء صغيره هيثم، سأل أشقاءه عليه فأخبروه أنه خرج خلفه أثناء ذهابه للصلاة؛ لكن الأب أخبرهم أنه لم يُشاهده بالمسجد.

 

خرجت الأسرة تبحث عن الصبي بالشارع؛ عله يلهو رفقة عدد من أطفال الحي كعادته؛ لكن الجميع لا يعلمون شيئًا عنه، حينها قرر والده كتابة منشور على صفحته الشخصية "فيسبوك" يفيد اختفاء نجله هيثم، وأنه لا يوجد له أثر بالبلدة، فمن يعثر عليه يُبلغهم. استنفرت البلدة بأكملها.. الجميع يبحث عن الطفل، وبعد نحو 6 ساعات من البحث ومع أذان المغرب، ذهب البعض إلى المسجد للصلاة، فوجدوا شيئاً يطفو على سطح البئر الممتلئة بالمياه.

 

الطفل الليبي هيثم

 

"ابني كان فضولي وشقي زيه زي الأطفال"، حُفر البئر بباحة المسجد مع بداية تأسيسه قبل نحو عشرين عاماً؛ لتزويد المسجد بمياه الوضوء، واعتاد أطفال القرية الذهاب رفقة ذويهم أو بمفردهم للصلاة أو اللهو بجوار البئر، لم تقع حادثة مُشابهة كما حدث مع الطفل هيثم خلال تلك السنوات، حتى إن الأب نفسه لم يتخيّل أن تكون البئر قد ابتلعت ابنه، وكان هذا هو المكان الأخير الذي يمكن البحث فيه؛ لكن فضول الطفل ومحاولته معرفة ما بداخل البئر كان سبباً في وفاته.

 

الخاتمة


"ريان وهيثم وحسن ومنير" وغيرهم الكثير من الأطفال الذين قضوا ساعات في غيابات الجُب؛ منهم مَن خرج ليستكمل رحلته في الحياة، ومنهم مَن انتهت رحلته داخل ظلامها، بعدما فشلت أصوات أنينهم في إنقاذهم، ليحلقوا بأجنحتهم إلى السماء تاركين خلفهم أماً مكلومة وذكريات بسيطة على تلك الأرض.







أضف تعليقك