المعدية.. حكاية 8 أطفال ابتلعهم البحر غدراً

المعدية
المعدية


لم تترك سوى جهازها.. الأهالي يودعون عروس القرية إلى مثواها الأخير

أنا مسلماك لربنا يا سعيد.. ضحية المعدية الذي أنجبته أمه بعد 14 سنة

حديث أهل القرية.. ندى قررت تحقيق حلمها في شقيقاتها فابتلعها البحر

آخر ما تبقى من هاجر.. أسورة وقلادة وصورة للذكرى

الشباب بتصور وماحدش أنقذنا.. هدى تروي لحظات الغرق الأخيرة وفقدان توأمها


تجمع العشرات بالقرب من ضفة النهر؛ نساء ارتدين الثياب السوداء، ورجال جلسوا في صف مستقيم على حافته، وأطفال ملأت الدموع أعينهم.. الجميع يدعون ربَّهم؛ يرفعون أيديهم إلى السماء تارةً ويصرخون على أوجاع قلوبهم تارةً أخرى.

قبل أيام كان الشاطئ هو بداية أحلامهم.. على الجانب الآخر من النهر كان يسكن الرزق، واليوم بات هذا الجانب مظلماً، بل كابوساً سيراودهم في أحلامهم، بعدما خطف من بين أيديهم فلذات أكبادهم.

"ندى ودعاء وزينب وزكريا ومحمد وهاجر وشروق وسعيد"؛ جميعهم أطفال في عمر الزهور، تركوا أحلامهم وطفولتهم خلفهم، واتجهوا نحو الضفة الأخرى للعيش.. هؤلاء الأطفال وغيرهم الكثير قرروا السعي وراء العيش الحلال، فماتوا سعياً على رزقهم الذي بلغت قيمته 50 جنيهاً فقط للفرد الواحد، يومياً.

في هذا الملف نسرد تفاصيل الرحلة الأخيرة لبعض من هؤلاء الأطفال، على لسان ذويهم:

 

 

هدى وفقدان توأمها

لحظات من الخوف عاشتها الصغيرة، ستظل محفورةً بذاكرتها، خرجت صباحاً رفقة شقيقتها وأصدقائها، وعادت في المساء وحيدةً بعدما ابتلعهم البحر غدراً، 14 عاماً قضتها هدى رفقة توأمها دعاء.. جاءتا إلى الحياة تتشبث كل منهما بيد الأخرى، وبعد سنوات كانتا تواجها الموت سوياً، لم تشأ إحداهما الإفلات من يد الأخرى، لكن تيار المياه كان أشد وفرقهما بالنهاية.

 

معدية أشمون

 

"أنا باشتغل وأنا عندي 10 سنين، وأختي ماتت قدامي ماحدش أنقذها"، كانت هدى ودعاء تعينان بعضهما البعض على مشقة الحياة، تخرجان سوياً في الصباح الباكر للذهاب إلى إحدى مزارع الدواجن رفقة العديد من أبناء قريتهما الصغيرة عزبة التفتيش، تذهبان نحو 5 أيام في الأسبوع، وكان هناك يومان مخصصان للمدرسة.

في صباح الإثنين، خرجتا سوياً في السابعة واستقلتا السيارة رفقة الكثير من أطفال بلدتهما، وبعد يوم عمل شاق استعدت هدى ورفاقها من الأطفال للمغادرة؛ خصوصاً أن السيارة التي يستقلونها لقريتهم كانت على وشك الوصول؛ لكنّ المشرف عليهم أسرع نحوهم وأخبرهم بعدم الرحيل وطلب منهم الإقامة في المزرعة هذا اليوم.. تعجب الأطفال جميعاً، حينها سألت هدى المشرف "اشمعنى النهارده عايزنا نفضل مانمشيش؟!"، لتأتي الإجابة بأنه لا يعرف مصدر الخوف بداخله عليهم اليوم تحديداً؛ لكن الأطفال رفضوا الإقامة وأسرعوا جميعاً نحو السيارة.

 

 

تذهب هدى ودعاء إلى العمل في السابعة صباحاً، وتعودان في الخامسة مساءً، تتناول الشقيقتان الطعام وتستعدان للانتهاء من واجباتهما المدرسية، فهدى كانت تدرس بالصف الثاني الإعدادي، بينما دعاء بالصف الأول، وعلى الرغم من أنهما توأم؛ فإن الراحلة تأخرت في المرحلة الدراسية عن شقيقتها.

"بدأنا ننزل الشغل واحنا عندنا 10 سنين"، قررت هدى وشقيقتها دعاء النزول للعمل لمساعدة والدهما، وأيضًا للاستمرار في طريق تحقيق حلمهما؛ فدعاء كانت تطمح في أن تصبح مهندسة زراعية، بينما هدى تسعى لأن تكون فنانة كونها تحب الرسم كثيراً.

لم يكن الوضع سهلاً على الفتاة الصغيرة، وهي تسرد تفاصيل الواقعة؛ لكنها كانت تُحاول أن تتحدث عن اللقاء الأخير بينها وبين شقيقتها الراحلة، في اليوم المشؤوم كانت الأحداث جميعها مختلفة عن الأيام السابقة، بعد انتهاء الأطفال من العمل وإصرارهم على المغادرة، تفاجأت هدى بأن صديقتها ندى تحمل ملابس العمل وتخبرها بأنها حزينة لعدم رؤيتها مرة ثانية "أنا زعلانة إني مش هاشوفك تاني يا هدى، احنا مش هنيجي تاني".

 

معدية أشمون

 

وصلت السيارة التي تقل الأطفال، وبدؤوا في الصعود أعلاها، فإذا بدعاء تطلب من هدى أن تنزل وتجمع ملابسهما بالمزرعة؛ لأنهما لن تعودا مرة ثانية، مرت عدة دقائق وغادر 28 طفلاً المزرعة التي تقع بمحافظة الجيزة، وصل منهم 24 فقط إلى شاطئ البحر، بينما رفاقهم يقطنون بنفس الجانب من الشاطئ لذا لن يستقلوا معهم المعدية.

"كلهم كانوا عايشين، وقعدنا نقول الحقونا بنموت؛ لكن الشباب عمالة تصور بس وماحدش أنقذنا" روت الفتاة الناجية بعضاً من تفاصيل الواقعة، فور صعود السيارة على سطح المعدية فإذا بها تميل حتى سقطت في المياه.

 

معدية أشمون

 

كان بعض الشباب قد نزل من السيارة على المعدية، وفور سقوطها بالمياه استغاثت الفتيات وبدأت بالصراخ من أجل نجدتهم.. لم يحاول أحد إغاثتهم من عمال المعدية، بل اكتفوا بتصوير الواقعة فقط حتى ظهر بطل من وسطهم، وهو محمد صبري، الطفل صاحب الـ15 عاماً الذي دفع حياته ثمناً لإنقاذ رفاقه؛ أنقذ منهم اثنين وأثناء محاولته إنقاذ آخرين لم يتمكن وفقد حياته هو الآخر.

كانت هدى على وشك البكاء؛ حزناً على رحيل شقيقتها وأصدقائها، لكنّها ظلّت تردد "جبتلهم أكل كانوا جعانين قلت لهم كلوا، قالوا لما نروح هناكل"؛ لكنّ الفتاة عادت وحيدة إلى منزلها تحمل صوت استغاثة رفيقتها للنجاة التي فقدتها أمام عينَيها.

 

معدية أشمون

 

لم تتمكن هدى من استكمال حديثها؛ فقرر والدها سرد ما تبقى من تفاصيل صغيرة، هذا الأب الذي فقدَ للتو فلذة كبده وكاد يفقد الأخرى معها؛ لكنّ القدر كان له رأي آخر، نبيل عبد السلام المزارع البسيط الذي خرج من الدنيا بأربعة من الأبناء، حالت الظروف بينه وبين توفير حياة آدمية لأبنائه فقرروا جميعاً الخروج للعمل وهم أطفال لمساندته.

 

 

"طلعت هدى وفضلت أدور 24 ساعة على دعاء لغاية لما طلعتها"، كان نبيل في منزله فسمع صراخاً بالقرية فأسرع تجاهه، فإذا بالجميع يهرول نحو البحر، سارع رفقتهم فوجد أن السيارة التي كانت تقل بناته قد غرقت، لحظات قضاها الأب في صدمة محاولاً استيعاب ما حدث، تلك اللحظات التي قضاها دون أن يعلم مصير طفلتيه، فتيقن أنه خسرهما؛ لكن لطف الله كان أقرب إليه فعاد إلى منزله بواحدة أنقذها أحد الصيادين بعدما جرفها تيار المياه لنحو 2 كم، بينما حمل الأخرى إلى مثواها الأخير، مطالباً بحقها "لو ماكناش محتاجين ماكنتش هطلع عيالي يشتغلوا".

 

معدية أشمون

 

آخر ما تبقى من هاجر

"هاجر عروسة البحر"، الجملة التي ظلَّت ترددها نبية وهي تحمل آخر ما تبقى من طفلتها هاجر "صورة وأسورة"، الفتاة التي تبلغ من العمر 14 عاماً خرجت للعمل من أجل مساندة والدها المريض على إعانة أشقائها الثلاثة، ولتوفير مصاريف دراستها بالصف الأول الإعدادي.

معدية أشمون

 

"بنتي راحت علشان تساعدني راحت قصاد 50 جنيه"، داخل منزلهم البسيط تجمع بعض من أفراد العائلة، الجميع يرتدي الثياب السوداء حُزناً على رحيل هاجر، جلست الأم بإحدى غرف المنزل صامتة، تُحاول استيعاب ما حدث مع طفلتها، الفتاة الصغيرة التي قررت السعي بحثاً عن لقمة العيش، فكانت تخرج من منزلها فجراً وتعود في الخامسة مساءً.

كان الحزن على هاجر كبيراً؛ الفتاة المطيعة لوالديها، الحاملة للقرآن الكريم على الرغم من صغر عمرها؛ لكنها استطاعت ختم القرآن مرتَين؛ الأولى في التاسعة والثانية قبل عام فقط، حسب والدتها، كانت محبة للحياة بشوشة يُحبها أبناء القرية جميعاً، حتى إن والدتها كانت دائمة الخوف عليها، فكانت ترافقها أثناء الذهاب إلى دروسها، بل قدمت لها هدية عبارة عن قلادة بها عين زرقاء في إشارة منها إلى حمايتها من الحسد، القلادة التي خرجت من المياه دون صاحبتها.

 

 


كغيرها من الأطفال، امتلكت هاجر حلماً مشروعاً سعت لتحقيقه، فكانت تردد لوالدتها دائماً أنّها ستصبح ضابط طيران، لذا كانت مجتهدة في دراستها على الرغم من ظروف عملها الشاقة، لكنها كانت تذهب للعمل 3 أيام وللمدرسة 3 أخرى.. في يوم الواقعة طلبت منها والدتها في الصباح عدم الذهاب والحصول على استراحة اليوم، لكنها استغلت مغادرة والدتها إلى الحقل الذي تعمل به، وارتدت ملابسها ورافقت أصدقاءها إلى المزرعة.

"الليلة اللي ماتت فيها 3 مرات أخش أغطيها وأبص في وشها كأني كنت حاسّة بها"، كانت هاجر أولى الضحايا الذين خرجوا من النهر بعد الواقعة لتفتح مقابر عزبة التفتيش أبوابها لتكون هاجر أول عروس  تستقبلها المقابر من الغارقين في البحر؛ الفتاة التي وصفت لنا والدتها مدى جمالها ونقاء قلبها دخلت محمولة على الأعناق ليصلَّى عليها العصر في مسجد القرية، وشاءت الأقدار أن هذا الوقت هو نفسه الذي كانت تدخل فيه هاجر إلى المسجد وهي تحمل كتاب الله بيدَيها لحفظ ما تيسر منه.

 

معدية أشمون

 

خرجت والدة هاجر لوداعها، "أقول لها مع السلامة يا هاجر النعش يتحرك زي ما تكون بتقول لي مع السلامة يا أمي"، كانت نبية تحلم باليوم الذي تُزين فيه هاجر أثناء ارتدائها الفستان الأبيض، لكنّ اليوم جاء مبكراً وارتدت هاجر خمارها الأبيض وزينتها أمها بيديها إلى الجنة.

"الأسورة جاتني وبنتي مجاتنيش.. السلسلة كنت جايباها تحرسها من العين.. هيَّ طلعت وبنتي ماطلعتش".. ودَّعت نبية صغيرتها واحتفظت بآخر ما تبقى لها من ذكراها؛ الأسورة والقلادة اللتان كانت الفتاة ترتديهما وخرجت بهما من المياه، وصورة لها في طفولتها قبل سنوات وأخرى على هاتف شقيقتها الكُبرى.

 

معدية أشمون

 

حلم ندى الضائع

حينما تتجوَّل في شوارع القرية الحزينة تجد الجميع يتحدث عن الأبطال الثمانية، لكنَّ هناك اسماً يتردد على ألسنة الكثيرين.. يصفون صاحبة هذا الاسم بأنها طفلة بـ"100 راجل"، كانوا يتحدثون عن ندى، تلك الصغيرة التي ضحت بحياتها من أجل أسرتها، فالأب الذي خرج من الدنيا بخمسة من البنات كانت ندى أكبرهن، تبلغ من العمر 14 عامًا.

 

 

"أبوها كان بيقول لها ماتطلعيش تتبهدلي؛ لكن كانت بتقول له لأ يابَا هاطلع أساعدك وأصرف على إخواتي"، والدة ندى سردت جزءاً من حياة الصغيرة التي فقدتها للتو.. ندى لم تكن كغيرها من الأطفال؛ فالطفلة تحملت المسؤولية مبكراً، فبعد انتهائها من المرحلة الإعدادية غادرت المدرسة واتجهت للعمل في مزارع الجبل المختلفة، والسبب أن ظروف والدها المريض لن تسمح له بإعانتها وشقيقاتها الأربع؛ لذا كان عليها التضحية من أجلهن.

مرضت الفتاة لنحو 6 أيام مكثتها داخل منزلها البسيط بالقرية، وفي يوم الواقعة قررت الخروج، طلبت منها والدتها عدم الذهاب للعمل؛ فلا تزال مريضة؛ لكن الطفلة أخبرت أمها أنها قادرة على الحركة وستذهب رفقة صديقتَيها التوأم هدى ودعاء إلى المزرعة، وستكون سعيدة معهما، وأخبرتها أن رفقاءها أثناء مرضها جلبوا معهم عصيراً وبعضاً من المعجنات، ستتناولها فور عودتها من العمل "كانت شايلة قُرَص علشان تاكلها بس طلعت ومارجعتش".


معدية أشمون

ظلَّت ندى تعمل لسنوات داخل مزرعة فلفل بالجبل، لكن هذا العمل كان يجبرها على الخروج فجراً من منزلها بالقرية، وكانت أمها تشعر بالخوف عليها، لذا حاولت مراراً معها أن تترك هذا العمل، إلا أن الفتاة أصرَّت على استكماله، حتى أخبرتها رفيقتها هدى بأنهم سيذهبون للعمل في مزرعة البيض، فَرِحَتِ الفتاة وقررت الذهاب إلى عمل جديد مع صديقتها، اطمأنت الأم حينها لأن صغيرتها لن تضطر إلى الخروج بمفردها فجراً وستذهب في السابعة صباحاً مع الكثير من أبناء القرية إلى مزرعة الدواجن.

"ندى كانت بتشتغل علشان تعلم أخواتها"، الفتاة قررت التضحية بمستقبلها من أجل أسرتها، خرجت إلى الجانب الآخر من النهر للعودة بخمسين جنيهاً هي مصدر دخل منزلهم الوحيد، اتخذت عهداً على نفسها أمام والدتها بأنها لن تسمح لشقيقاتها بمغادرة المدرسة، بل ستساعدهن حتى يحققن أهدافهن، حتى إنها أخبرت والدتها ذات يوم أنها لن تتزوج بل ستعمل حتى تتزوج شقيقاتها وستظل هي رفقة والدَيها لخدمتهما.

 

معدية أشمون

 

كانت ندى تمتلك الكثير من الأمنيات؛ سَعَت إليها، لكنّ الظروف حالت بينها وبين تحقيقها، فقررت رؤية حلمها في تفوق شقيقاتها أمام عينَيها، لكن النهر سرق ندى واختفت الأحلام داخل منزلهم.. استغاثت الفتاة كثيراً وهي في النهر، حاولت مقاومة المياه؛ فلطالما كانت ندى قوية لا تيأس لكنَّ المياه كانت أقوى من جسدها الضعيف، فألقت به بعيدًا، لترحل ندى وتبقى ذكراها حديث أهل القرية.

معدية أشمون


أنا مسلماك لربنا يا سعيد

على مدار 10 أعوام، سعت أميرة لإنجاب طفل، كانت تناجي الله في الليل لتحقيق هذا الحلم، لم تيأس؛ وُلد بداخلها يقين أن الفرج قد أوشك، وبالفعل جاءتها البُشرى ورزقت بابنتها أمل صاحبة الـ16 عاماً؛ لكنَّ الفرحة الكُبرى كانت سعيد، الذي جاء بعد شقيقته بنحو 4 سنوات.. ولم تمنح الحياة الأم فرصة أخرى فأُصيبت بمرض خطير على إثره أجرت جراحة وأزالت الرحم لتكتفي في دنياها بطفلَيها.

"لما كبر ورجله شالته قال لُه يابَا هجري عليك إنت وأختي وأمي"، كان سعيد هو فرحة البيت، عُرف عنه المسؤولية منذ نعومة أظافره، ففي التاسعة من عمره أُصيب والده بعدة أمراض أقعدته الفراش، ليقرر الفتى الخروج والبحث عن عمل، ورغم المشقة التي واجهها؛ فإنه لم ييأس، فعمل بالكثير من المهن رغم صغره، إلا أنه كان أشبه برجل كبير.

 

 

حاولت الأم منع الصغير من العمل، وأخبرته أن يعيش طفولته؛ خصوصاً أنه كان في الثانية عشرة من عمره، لكن إجابته لها دائماً: "يامَّه مش عايز أسيبك تمدي إيدك للناس أنا راجل"، فسلمت السيدة أمرها إلى ربِّها، وكان صغيرها يحمل معه دعواتها لحفظه، حتى حانت لحظة الفراق.

في يوم الواقعة استيقظ الصغير مبكراً، توضَّأ وصلَّى الفجر، طلبت منه والدته تناول الإفطار، لكنَّه استأذنها في كوب شاي فقط، وبعده همَّ للمغادرة رفقة أبناء القرية، فالسيارة في انتظارهم على الجسر لتقلهم إلى البر الآخر من النهر نحو المزرعة التي يعملون بها.


معدية القناطر



صمتت الأم المكلومة قليلاً.. كانت على وشك البكاء، لكنَّها ظلَّت تردد بعضاً من آيات الذكر، إضافة إلى جملة لم تنقطع من لسانها طوال حديثها "الحمد لله شحتُّه منك يا رب وانت ادتهولي، ودلوقتي رجعلك.. أنا مسلماك لربنا يا سعيد"، كان سعيد يدرس بالصف الأول الإعدادي، يذهب يوماً واحداً فقط للمدرسة وباقي أيام الأسبوع يعمل بالمزرعة، حتى يتمكن من تسديد أقساط قرض حصلت عليه والدته لعلاج والده.

كان حلم الفتى كبيراً، أخبر أمه أنه يريد أن يُصبح مهندساً أو طبيباً حتى يحقق أمنيات والده ووالدته وشقيقته الوحيدة، كان صغيرًا في العمر، لكنّ عقله كان عقل رجل ناضج، على الرغم من أنه لم يحصل على أي من الدروس الخصوصية، فإنه كان يجتهد، كان معلموه يخبرون والدته أن سعيد مجتهد وسيصبح ذا شأن رغم أنها في كثير من الأحيان لم تكن تصدق ما يقولون، كيف لابنها أن يكون ذا شأن وهو يهتم بالعمل فقط وتوفير احتياجاتهم ولا يذهب إلى المدرسة سوى يوم واحد.

معدية القناطر


ذهب سعيد إلى العمل وانشغلت الأم في قضاء احتياجات المنزل، وبعد أذان العصر وقع على أذنيها صوت صراخ نساء القرية، لتجد الجميع يتحدث عن غرق السيارة التي تحمل أبناءهم، هرولت الأم نحو الشاطئ في طريقها كانت تردد "ابني مات.. سعيد مات".

كان الفتى أول من خرج من البحر مع ابنة خالته العروس زينب، الأم كانت صابرة راضية بقضاء ربها، لكنها كانت تبحث عن إجابة واحدة فقط حتى يطمئن قلبها "يا ترى يابني مُت وانت جعان ولَّا عطشان؟"، لتريح إحدى الناجيات قلب الأم، فأخبرتها أن سعيد تناول معها الطعام قبل الصعود على المعدية، هدأت الأم وعادت تردد الذكر طالبةً رضا ربها، وأن يلقي الصبر في قلبها.


معدية القناطر

غادرت وتركت جهازها

"زينب" عروس انتظر أهل القرية زفافها؛ إذ حددت الأسرة الموعد ودعت الأهالي لتهنئتها، كانت تترقب موعد زفافها وتحلم بفستان عُرسها وبمرافقة حبيبها.

3 أشهر فقط تبقَّت على موعد الزفاف، لكنّ لم تنتظر زينب كثيراً فزُفت عروساً إلى الجنة، حاولت أن تتحمل مشقة استكمال جهازها وخرجت لتكافح من أجله، لكنّها لم تهنأ به وتركته بغرفتها راحلةً إلى مثواها الأخير.

 

 

"قالت لى أروح يا أمي اشتغل قُلت لها لا، أخاف عليكِ أنتِ بنتي الكبيرة والغالية"، السيدة تفيدة والدة العروس زينب، كانت في بادئ الأمر ترفض عمل ابنتها صاحبة الـ16 عاماً، لكنّ مرض الأب واحتياجات الأسرة دفعاها للإصرار على العمل، بل قررت عدم استكمال دراستها فغادرت المدرسة وهي بالصف الثالث الإعدادي، ورغم محاولات والدتها، فإن الفتاة أصرّت على مساعدتهم حتى لو كان هذا الأمر على حساب مستقبلها.

قبل فترة قليلة رُزق والد الصغيرة بعمل فطلب منها عدم الذهاب إلى العمل والمكوث بالمنزل، لكنّ زينب قالت لوالدها إن أجرتها الـ50 جنيهاً ستستغلها بالكامل في احتياجات جهازها، والرزق الذي سيأتي من عمله يقضي احتياجات منزلهم، فأشقاؤها الثلاثة يحتاجون إلى مستلزمات عديدة، خصوصاً أن اثنين منهم في المرحلة الابتدائية من التعليم.

معدية القناطر

 

"المعدية اللي كانت طوَّالي تعطلهم، وكنت باخاف عليها منها"، بدت والدة زينب صابرة محتسبة فلذة كبدها شهيدة وعروس لدى خالقها، سردت لنا بعضاً من تفاصيل يوم رحيل فتاتها، والذي حمل شعوراً لدى الأم بقلق وخوف على صغيرتها، فاستيقظت باكراً وطلبت منها عدم الذهاب إلى العمل هذا اليوم، فقد أصابها بعض القلق، بل وخرجت من المنزل لجلب طعام الإفطار وأغلقت الباب عليها مطمئنةً أنها لن تذهب إلى المزرعة.

عادت الأم إلى المنزل فوجدت الفتاة غادرت، خرجت مسرعة وراءها، لكن السيارة التي استقلتها الصغيرة كانت قد غادرت، لم تيأس الأم وذهبت إلى المعدية للحاق بها، لكنها فشلت في هذا الأمر أيضاً، وكانت المعدية تبعد رويداً عن أنظار الأم التي نظرت إليها وكأنها تودع صغيرتها لآخر مرة.

 

معدية القناطر

 

"فضلت طول النهار مش عارفة أدخل البيت، ماليش نفس أعمل حاجة"، ظلت الأم شاردة بالشارع لساعات، ومع أذان العصر قررت العودة إلى المنزل في انتظار زينب، فور دخولها سمعت صراخاً وعويلاً خرجت مسرعة، فإذا بأحد الأطفال يخبرها بأن سيارة النقل التي يستقلها أبناؤهم سقطت في مياه البحر، لم تدرك الأم شيئاً سوى أنها كانت تجري وتصرخ رفقة العشرات من أبناء القرية، "كنا بنجري مكفوفين على وشِّنا".

سألنا الأم عن صورة لطفلتها، فأخبرتنا أن زينب رحلت دون ترك صورة ذكرى لها، فهاتفها من كان يحمل صورها وغرق معها، الأم نفسها لم تتمكن من توديعها لترسم صورة أخيرة لصغيرتها في ذهنها، خرجت زينب صباحاً دون توديع أمها وغادرت لمثواها أيضًا دون وداع منها، فلم يتبقَّ من الفتاة سوى جهازها الذي كُتب بجواره اسمها "العروسة زينب".

 

معدية القناطر

 

حاولنا الحديث مع والدة زكريا، أحد الأطفال الذين رحلوا فداءً للقمة العيش، وجدنا أمه تجلس على شاطئ النهر، أخبرتنا أنها دفنت صغيرها وجاءت تنتظر جثمان ابنة شقيقها شروق، والتي لم تخرج، حتى حديثنا معها، من المياه.

 

معدية القناطر

 

الخاتمة

طوت عزبة التفتيش، القرية التي توجد في أقصى جنوب محافظة المنوفية، صفحةً جديدةً في ضحايا المعدية.. الحادثة لم تكن الأولى من نوعها على أهل القرية، فقبل سنوات جلسوا على نفس الضفة يستقبلون جثامين أبنائهم، ليُعاد المشهد من جديد، لكن بأسماء مختلفة تلك المرة.







أضف تعليقك