لولا أمي


 

مع كل خطوة نجاح، مع كل كلمة إشادة أو تقدير، تقفز إلى ذهني تلك الواقعة التي تقول بأعلى صوت لولا أمي ما كان يمكن أن يحدث ذلك.

استيقظت ذات يوم وأنا أتابع بدهشة لا تجد تفسيراً، مجموعة من الرجال يصيحون مشيرين إلى قطع أثاث سريعاً ما تخرج من مسكننا.. ولم تتوقف دموع أمي طوال هذه العملية التي فهمت بعدها أن ذلك كان مزاداً علنياً لبيع أثاث بيتنا ومحتوياته، وبذلك نزلنا من فوق السرير للنوم على مرتبة على الأرض.. تزامن مع خطوات تدهور الحالة الاقتصادية لوالدي، وتراجع في كل مناحي الحياة التي تغيرت جذرياً على إثر فقدان أبي أسطول السيارات الذي كان يمتلكه والتزم بعدها بالبقاء في المنزل لا يغادره، أي لا يجد عملاً يمكِّنه من الصرف علينا.. كنت واثنان من أشقائي بمدرسة العائلة المقدسة في مدينة حلوان وهي مدرسة خاصة بمصاريف كبيرة قياساً بأواخر الأربعينات.

ذات يوم صارح أبي والدتي برغبته في إلحاقي بإحدى الخياطات كي تمرني وتعلمني المهنة.. عندما سألته أمي عن سبب إخراجي أنا من المدرسة بينما كنت دائماً الأولى على الفصل رد أبي بأنني "بنت"، ولا أحتاج للحصول على تعليم ولا على شهادات حيث مصير البنت هو الزواج بينما الأولاد الذكور أولى باستكمال التعليم لتأمين فرص عمل لهم.

اعترضت أمي بشراسة على هذا المقترح وقررت اللجوء إلى جدي، والدها الذي كان من أعيان قرية التبين.. أثناء اللقاء لم يحتَج جدي إلى إقناع بل قال لها على الفور إنه سيتكفل بنفقات دراستي، مضيفاً: دي هي اللي فيهم.. استمر جدي في تحمل نفقات تعليمي حتى بعد أن بدأت أنا في العمل وأنا في التاسعة من العمر، حيث كنت أعطي دروساً للتلميذات الأصغر سناً طوال شهر، كل يوم ساعة، مقابل خمسين قرشاً في الشهر، وبعدها أخذت أعطي دروساً لمن هم في نفس السنة الدراسية بجنيه في الشهر حتي ذاع صيتي في حلوان وتوليت مساعدة طلبة التوجيهية (بلغة فرنسية بسيطة نسبياً) ووصل أجري إلى ثمانين قرشاً في الساعة الواحدة.. وظللت طوال حياتي أتذكر فضل أمي التي لولاها لكنت مجرد حائكة ملابس لا أخرج من تلك الدائرة.

كانت أمي تسعدني وهي تفخر بي مع أفراد أسرتها بأن ابنتها فريدة تفوز بالمكانة الأولى في مدرسة العائلة المقدسة والتي تضم تلميذات من أصول أجنبية وكذلك بنات الأسر الأرستوقراطية في حلوان.. انحياز أمي لتفوقي في الدراسة جعلني أستكمل دراستي الجامعية بعد زواجي من الكاتب الراحل علي الشوباشي الذي دائماً ما كان يشيد بموقف أمي الذي بالرغم من أصولها الريفية تصدت لمفهوم أبي، أسير تفوق الذكور وأنهم أولى بالاهتمام.

وبعد مرور عشرات السنين، كثيراً ما أتساءل كيف كان يمكن أن يكون مصيري لو أن أمي كانت قد امتثلت لوجهة نظر أبي، وربما كانت تجربتي الشخصية تلك، إضافة طبعاً إلى دراستي للقانون، اللبنة الأساسية في إيماني العميق بالمساواة بين الرجل والمرأة، وبأن المعيار هو الكفاءة والقدرة على القيام بالمسؤولية، وهو ما تستعيده مصر الآن تحت قيادة الرئيس عبدالفتاح السيسي.. كل سنة وكل أم مصرية بألف ألف خير، وأقول لأمي للمرة المليون شكراً يا أمي، لولاك ما كنت رأيت النور ساطعاً وما كنت أدركت أن البنت زي الولد.. ماهيش كمالة عدد.. كما قال شاعرنا الرائع المبدع صلاح جاهين..







أضف تعليقك

كاتبة صحفية ونائبة برلمانية وإعلامية مصرية ورئيس جمعية حقوق المواطن في مصر.