قلوب من ذهب


"قلوب من ذهب" أول جملة وقعت عليها عيناي في مطار أسوان، كنت فاكرة أنها شعارات وأهل النوبة الطيبين السمحين ولكن عشقت النوبة بأهلها وسحرها والوانها وطاقتها.

بدأت الحكاية عندما قررت زيارة أسوان بعد تردد دام سنوات من زيارتي الأولي للأقصر و أسوان، وقررنا نروح قلب النوبة غرب سهيل، سألت أحد الأصدقاء الذي يعمل بالسياحة وأعطاني رقم "حمو" و قالي كلميه و هو هيعملك كل الترتيبات.

كلمت "حمو " و هو شاب صغير أسمر سمار النوبة الجميل و قالي كل اللي انتي عايزاه بميزانيتك وترتيبات العربية من المطار و المواعيد و كله هيكون تمام.

قلت في بالي إنه شاطر في الكلام و بيسوق كويس و ليلة السفر أكد عليا المواعيد و خلي السائق يكلمني و طلبت منه نزور السد العالي في طريقنا بالمرة قبل ما نوصل "البيت" ( الفندق) و قالي تمام و سألت هل هيكون فيه مصاريف اضافية للزيارة قالي لا.

وصلت أسوان و ركبت العربية السياحية النظيفة و أول ما ركبنا حسينا بطاقة هادية جميلة مع انغام أحمد منيب ( بلاد الدهب ) و محمد منير.. حسينا بحاجة بتجذبنا للمكان تلقائي (النيل الصافي، الطبيعة، الهواء النقي) مش عارفين.

ودخلنا غرب سهيل القرية النوبية البسيطة !! ما هذا الجمال و النظافة و النظام ؟ مش مصدقة ان دي قرية مش مدينة سياحية ، فرحت لما شفت اجانب في الفندق و الذي اقتنعت بعد مغادرتي انه فعلاً بيت بكل ما تحمله الكلمة من معني.

استقبلنا عم "رمضان" الساعة ١٠ ص بضحكة بيضاء صافية و أكواب الكركاديه الأسواني المثلج المركز و طلب مننا نجلس عالنيل لحين التسكين المبكر (بدون اي رسوم اضافية) و كذلك المغادرة السادسة مساء يوم العودة طالما الغرف هتكون مش مشغولة و حصل فعلا بدون اي مصاريف اضافية، وبمنتهي الدفء كان "أشرف " الأسمراني أبو دم خفيف بيسألنا هنتغدي الساعة كام عشان الطواجن الجميلة تتجهز و تكون دافية.

بعد الظهر تجولنا في القرية و قابلنا "بحر" و اسميته المسيطر قالنا انتم تبع "حمو" تعالوا شوفوا الزفة النوبية و اخذنا علي بيت نوبي بيت الحاجة نورة و كل النظام هناك البيوت مفتوحة للافواج من البواخر طول النهار بالافطار المصري ( الفطير و العسل و الطحينة و المش الصعيدي ) و عندما اعتذرنا عن الأكل و الشرب اعتبرها شتيمة و لازم تشربوا حاجة و عيب و ميصحش ،، و فرجنا عالتمساح المتواجد في كل البيوت من هذا النوع و سألته قال رمز البركة و الرخاء.

وتجولنا في الأسواق و "حمو " المسيطر يسألنا عايزين تدفعوا كام و كان فعلاً بندفع السعر المناسب ..و اسألهم راضيين يقولوا أيوة . و طول ما احنا بتجول في السوق الناس عاملة اكياس سوداني و بلح و لازم تجربوا و اتسلوا و انتم ماشيين اقولهم انا اشتريت خلاص يقولوا لازم تاخدي تاني.

كنت فاكرة ان الطيبة و الاخلاقيات شعارات او مجرد سمعة طلعت عالنوبيين و اكتشفت ان الحقيقة و الواقع لا يوصفوا بأي كلمات.

مرت الأيام ما بين رحلات نيلية و زيارة معبد فيلة و جزيرة هيسا. وباقي أهل البيت النوبي المقيمين فيه "طارق" الطيب و "أحمد" النشيط و اللي كانوا بجد شايلنا من علي الأرض شيل، بمعني الكلمة، و لا أنسي اسمائهم جميعاً و ستظل محفورة ووعدتهم ان قبل السنة ما تخلص باذن الله هجيلهم تاني . و رأيت حزنهم علي مغادرة البيت النوبي الدافئ . و صدقته لانه كان نفس شعوري و انا مغادرة.

مكنش ينفع أزور أسوان من غير ما أروح أولد كتاراكت و الذي اشتهر بجراند اوتيل المسلسل الذي لفت الأنظار اليه ثانية ، و ذهبنا قبل مغادرتنا أسوان هناك ،، لن أتكلم عن الجذور و التاريخ و العراقة ، سوف أتكلم عن العظمة التي رأيتها و خاصة مع البنوتة الأسوانية التي أخذتنا في جولة هناك "يارا" ثقافة ، جمال ، لغة سليمة وواجهة مشرفة للفندق ، ذهبنا الي جناح تشرشل ( جناح الرؤساء) و ممر المشاهير الذين اقاموا في الفندق ، الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان ، جان بول بلموندو ، عمر الشريف ، فاتن حمامة و غيرهم ممن حُفر اسمائهم في التاريخ . و شاهدنا أقدم كابينة تليفون في الفندق ، و أقدم مكتب استقبال و مطعم العشاء الفخم 1902.

لا أعلم هل سر ارتباطي بالمكان و انجذابي له هو طاقته و التي رسخت في نفوس أهله و جعلتهم قلوب من ذهب ، و هل الطبيعة البكر و الجذور المحتفظين بها أهل النوبة بتقاليدهم بلغتهم بأخلاقياتهم هي محور الجاذبية ؟ لست وحدي من انجذبت و عشقت المكان بأهله و لكن كل من معي ، سافرت بلاد كثيرة حول العالم أوروبا و أسيا و لكن هذا المكان له سحر يجذبك و يجبرك علي الاسترخاء و يجبرك ان تتخلص من اي طاقة سلبية في جسدك و تحل محلها طاقة هادئة ، مريحة ، ساحرة .. شكراً حمو و رمضان و بحر و أشرف و طارق و احمد شكراً لاحتفاظكم بقلوبكم الذهب النقية.

وأختم مقالي بكلمات السيدة فاتن حمامة و التي حفرت في ذهني مع صورتها في فندق اولد كتاراكت: "الاحتفاظ بالأصالة و الجمال بهذا المكان، يؤكد ان مصر بخير. فاتن حمامة ٢١ - ٢ - ٢٠٠٧.







أضف تعليقك

باحثة في لغة الجسد و مدربة مهارات البشرية