من غشنا.. هل هو منا أم لا؟!


قبل أسابيع قليلة حكى لى أحد الأصدقاء أنه ذهب إلى مصلحة حكومية لإنجاز المعاملات، وعندما سأل عن الأوراق المطلوبة كان من بينها ضرورة إحضار عقد إيجار أو تمليك الشقة أو توكيلا بالتصرف.

هو قال للموظفة سوف أعود غدا، ومعى العقد لكنه فوجىء بأنها تقول له: ولماذا تعود غدا،يمكن أن «تضرب» عقد إيجار أو تمليك مزور ينجزه لك أحد الواقفين خارج المصلحة، وتكسب وقتا بدلا من العودة غدا!.


الصديق فوجىء تماما، وقال لها، لكننى أملك التوكيل الرسمى الصحيح، فما الذى يجبرنى أن أضع عقدا مزورا بين أوراقى، قد يسبب لى مشاكل كثيرة فى المستقبل؟.


الموظفة استغربت تمسكه بالمنطق، وقالت له ما معناه «أنت حر .. أنا أردت فقط أن أسهل لك الأمور».


أدرك تماما أن غالبية الموظفين فى مصر يتمسكون بتطبيق الإجراءات بكل دقة، وأحيانا بتعقيد وروتين صار مضربا للأمثال، لكن نوعية الموظفة التى بدأت بها الحديث موجودة أيضا.


هى فى هذه الحالة نموذجا للغش وليس فقط للفساد، وخطورة هذا النوع من البشر أنه يكرس لثقافة أن الغش والتدليس والتزوير أمور طبيعية، ينبغى أن يتقبلها الناس جميعا.


ولكن ما الذى ذكرنى بهذه الموظفة، التى قد يقول البعض أن أمثالها كثيرون؟!
الرئيس عبدالفتاح السيسى وخلال مداخلته فى إطلاق المشروع القومى لتنمية الأسرة المصرية يوم الاثنين قبل الماضى، كشف عن قيام بعض الشباب المتقدمين للزواج بالتزوير فى الكشوف الطبية، أو فى سن البنات حتى يمكن تزويجهن صغارا بالمخالفة للقانون.


الشاب والفتاة ومعها أسرتيهما والموظف الذى يقوم بضرب شهادة طبية تقول إنهما لائقين للزواج، كل هؤلاء يعتقدون أنهم يضحكون على الدولة والمجتمع حينما يزوِّرون هذه الشهادة. فى حين لو أن الزوجين اجريا فحوصا طبية حقيقية فهم المستفيدون أولا ومعهم المجتمع ثانيا.


قد يكون أحد الزوجين مصابا بأمراض خطيرة أو لديه مرض فى بدايته يمكن معالجته، فى حين أن تزوير الشهادة يعنى مصيبة قادمة لا محالة وربما أطفال مشوهون جاءوا للدنيا فقط بسبب جهل الأبوين.


الرجل الذى يزوج بنته أقل من السن القانونية يرتكب جريمة كبرى فى حقها، وربما يكون السبب الأساسى فى «خراب بيتها اللاحق» لأنها لم تكبر أو تنمو أو تنضج عقليا أو اجتماعيا أو ثقافيا والأهم أن تكون قادرة على تحمل المسئولية.


نعود مرة أخرى إلى ما بدأنا به وهو التزوير فى الأوراق الرسمية، الذي يتزايد يومها بعد يوم.

أعرف أشخاصا يصرون علي أن ينجزوا أوراقهم ومعاملاتهم بالشكل الطبيعى والمعقول، ويرفضون أن يدفعوا أى مصاريف أو رسوم أو «حلاوة» زيادة لأى موظف داخل المصلحة، أو الشخص الغامض خارجها، ربما يتقاسم البقشيش مع اخرين يساعدونه بالداخل.


خطورة هذا الأمر أن كثيرين بدأوا يتعاملون معه باعتباره حقا من حقوق الموظف «يعوض به نقص وقلة راتبه أو دخله» ويتطور الأمر ببعض بموظفين كبار للغش والتدليس وتلقى الرشاوى، باعتبار أن من سيدفعون هم أغنياء.
ونعلم جميعا المستوى الذى وصلت إليه هذه الظاهرة فى قطاع مثل المحليات منذ عشرات السنين، ولم يعد حتى سجن رؤساء الأحياء رادعا لهذه الظاهرة.
هل العقوبات وحدها كافية لمحاربة الغش؟!
للأسف لا، هى مهمة جدا لكن الأمر يتعلق بثقافة شائعة فى المجتمع، تجعل بعض الموظفين يتلقون الرشوة ويضعوها فى درج المكتب أو المحفظة، ثم يقومون للصلاة داخل المؤسسة وكان شيئا لم يكن؟!
ما هذا الفهم الخاطىء الذى يجعل البعض يتقبل الرشوة أو الغش بكل أريحية.
نعرف أيضا اصرار أولياء الأمور على ضمان أن يغش أولادهم فى لجان الامتحانات المختلفة بل إن بعضهم كان يقف ممسكا بالأسلحة النارية خارج اللجان لردع من تسول له نفسه محاربة الغش .
ونعرف أنه حينما ينجح أولادهم بالغش، يحاولون البحث عن أي وسيلة، ولو كانت بالرشوة أيضا لضمان تعيين أودلادهم فى وظائف مرموقة.
هذه النوعية من أولياء الأمور تجدها فى المساء جالسة فى الصالونات الفاخرة أو على الكنبة أو فى أى مكان وهى تعطيك وتعطى المجتمع دروسا فى محاربة الفساد فى حين أنهم هم أساس الفساد.
والسؤال: كيف وصلنا إلى هذه الدرجة، وكيف نخرج منها؟! الحديث الشريف واضح جدا حينما يقول «من غشنا فليس منا»، لكن يبدو أن وجهة نظر الفاسدين الجدد تفهم الحديث بالعكس تماما!!







أضف تعليقك

رئيس تحرير جريدة الشروق