نعي معرض بيروت للكتاب


أصر النادي الثقافي العربي هذا العام على إقامة معرض بيروت الدولي للكتاب بدورته الثالثة والستين بعد غياب لثلاث سنوات متتالية بسبب الأ  وضاع المتردية التي يعاني منها لبنان واللبنانيين، ورغم ان لهذه العودة رمزية كبيرة للمجتمع الثقافي اللبناني الا ان سيئات هذا الرجوع طغت بشكل لافت وكشفت معها الكثير خصوصا ما يتعلق بالغزو الثقافي الذي يتعرض له اللبنانيون.

طوال الدورات الماضية كان لمعرض بيروت للكتاب نكهة خاصة، وكانت الاجواء الجميلة تمثل كل ما يتمناه اي مثقف او كاتب او قارئ او ناشر، ان كان بمستوى الندوات وحفلات التوقيع والنقاشات والحضور القوي، حتى ان الكتب التي كانت تتوافر على ارفف الاجنحة كانت عبارة عن تشكيلة عالمية لاجمل ما كتب وكل ما منع في الخارج، اي ان المعرض كان واحة للجميع دون اي استثناء، اما اليوم فقد فقد المعرض بريقه، فرواده الحاليين من الممكن احصائهم لقلة عددهم بسبب ما يتعرض له لبنان من ازمة اقتصادية خانقة، حتى ان من يريد ان يزور المعرض لن يجد الوقود اللازم لسيارته لاختفاء المحروقات من الاسواق بشكل شبه كامل، فما قيمة المعرض دون الرواد؟.

وبالاضافة للرواد فان عدد دور النشر المشاركة لم يتخطى الـ90 دارا لبنانية واربع دور عربية فقط من مصر وسوريا، مع ملاحظة عدم اشتراك اتحاد الناشرين العرب وغياب للدور الاجنبية التي اعتادت تسجيل حضورها طوال السنوات السابقة.

اما الامر الخطير الذي يحصل هو غزو ايراني وتركي حيث يشارك عشر دور ايرانية ومثلها من تركيا، في استغلال واضح للازمة المالية التي تعاني منها الدور اللبنانية، وهو ما يعكس حقيقة الحالة السياسية الجارية على ارض الواقع، فلبنان وكما هو معروف واقع تحت السيطرة الايرانية من خلال تنظيم حزب الله وفي استكمال لهذه السيطرة بدا الغزو الفكري الذي سيكون له اخطاره المستقبلية وتغيير للوجه الثقافي والاجتماعي اللبناني، وربما خير دليل على هذه الخطورة ما حصل في احد الاجنحة التي كانت ترفع صورة كبيرة لقائد الحرس الثوري السابق قاسم سليماني والتي جوبهت بمعارضة بعض الناشطين مما عرضهم للضرب المبرح من مناصري حزب الله، وهذه الواقعة تعتبر الاولى من نوعها بتاريخ المعرض.

الملف الخطير الاخر هو غزو الدور التركية ودور النشر المروجة لفكر جماعة الاخوان المسلمين الارهابية، بانعكاس واضح لما يجري على الارض بعد عملية الاستقطاب الواسعة التي يقوم بها الاخوان وتركيا في لبنان في العديد من المناطق كالشمال والبقاع وبعض مناطق الجنوب، حيث تم رصد توزيع المساعدات والاموال بشكل لافت خلال الفترة الماضية.

رغم كل سيئات عقد هذه الدورة الا انها كشفت حقيقة الاوضاع الحالية في لبنان، وربما تكون قد كشفت نتيجة الانتخابات النيابية المقبلة، فالقوة الحالية بيد من يمتلك الاموال والتي يستطيع من خلالها التحكم بالتصويت وضمائر الاف من سيقومون بالمشاركة بالانتخابات باستغلال الاوضاع المادية الصعبة، كما تم استغلال هذه الاوضاع للهيمنة على معرض الكتاب.

اثناء افتتاحه للمعرض قال رئيس الوزراء اللبناني نجيب ميقاتي ان اقامة الدورة رغم الظروف الصعبة يؤكد ان بيروت لا تزال عاصمة الثقافة العربية، ما يعكس حالة الانفصام السياسي الحاد الذي يعاني منه معظم السياسيين في لبنان، ويبدو انهم في وادي واللبنانيين في وادي اخر، فهل فعلا المعرض يعكس وجه ثقافة بيروت؟ وهل اطلع ميقاتي على هوية الدور المشاركة ام ان كلامه كان فقط انشائيا؟، اين الثقافة العربية مع حضور اربعة دور عربية فقط؟.

خلاصة القول ان وجه لبنان الحقيقي تغيير على مدى العقود السابقة، وهو وقادم على تغيير اكبر مع التوغل الاخواني، مما سيبدل الكثير من العادات والتقاليد والحركات الثقافية، وهي تبدلات ستدفع الاجيال القادمة ثمنا باهظة لها ان لم يتم التصدي للمخططات الجارية بدعم عربي مباشر لاعادة لبنان الى واقعه التاريخي والجغرافي.







أضف تعليقك

كاتب وصحافي لبناني مقيم بالقاهرة، ترأس وعمل بعدة صحف ومواقع إلكترونية عربية وعالمية، له العديد من المؤلفات السياسية والأدبية