الازدواجية المدمرة


أعتقد أن خطاب الرئيس السيسي أول أمس قد مسَّ قلوب المصريين في العمق وأثار تفكيرهم بصدد الوطن وما عاناه، ثم الآفاق التي فتحتها ثورة يونيو المجيدة، ويكفي للتدليل على ذلك مدى التقدم والإنجازات التي تحققت في السنوات السبع الأخيرة.. لكن هناك نقاط يفضل الكثيرون الابتعاد عنها درءاً لمخاطر ردود الفعل لدى المختلفين، وفي ظني أن حملات التشويه والترهيب التي تندلع لدى الاختلاف ليست كلها تلقائية، بل تتم وفق مخطط تفتيت الوطن العربي المعروف والذي تصدت لتنفيذه شخصيات شديدة المهارة مع عامل قوة جبار وهو التحدث باسم الدين وأن ما يقولوه هو صلب الدين ومن يخالفهم يعادي الإسلام، ومن ثم فهو كافر بالضرورة.

وطبعاً نعرف جميعاً ما يمكن أن يعانيه أي شخص يصمه من يسمون بالدعاة الجدد بالكفر، حيث يدرك أنهم أحلوا دمه.. وما استوقفني بشدة هو موضوع الانفجار السكاني، لكونه قنبلة موقوتة تهدد بالانفجار لتأتي- لا قدر الله- على الأخضر واليابس.

فمن خلال متابعتي للتغيرات التي طرأت على مجتمعنا، أثق أن هناك متسللين إلى مفاصل الدولة والذين يطبقون الازدواجية في أية أحكام وفي الأوضاع الاجتماعية بشكل عام.

ففي الوقت الذي يصرخ فيه كل محب لهذا الوطن بتنظيم النسل، تمتنع وسائل الإعلام والمنظمات الأهلية عن توعية الأزواج بكيفية تجنب حدوث الحمل بمراعاة جدول الخصوبة لدى المرأة والتي تحدث يوماً واحداً في الشهر، وهو يوم الخامس عشر من بدء الدورة الشهرية، وكنوع من الاحتياط لا يقتصر الامتناع عن ممارسة العلاقة الزوجية على يوم واحد، بل ثلاثة أيام على أكثر تقدير.. وكذلك هناك حبوب منع الحمل للمرأة والواقي الذكري للرجل.

غير أن الخطاب "الديني" للبعض يحرض البسطاء على الإنجاب بغزارة، لأن "كل واحد بييجي ورزقه معاه".

الغريب في الأمر أن هذا الخطاب الغريب يملأ شاشات الدولة!! فكيف يستقر الشباب على رأي؟ هل يصدقون الرئيس والمسؤولين الذين يحذرون من مغبة الانفجار السكاني؟، أم الشيوخ الذين يؤكدون كعادتهم أن تنظيم النسل نوع من الكفر وعدم الثقة في رحمة الله عز وجل، فمن يصدق من يستمع للخطابين؟.. ولا أحد يجرؤ على سؤال هؤلاء عن الملايين من أطفال الشوارع الذين ألقى بهم آباؤهم وأمهاتهم إلى الشارع لعدم القدرة على إطعامهم وتلبية احتياجاتهم الأخرى ورعايتهم.

وهل من الصعب أن يفهم أي شخص حتى لو كان أمياً، إن رغيف الخبز إذا ما تم توزيعه على شخصين، يكون نصيب كل منهما نصف رغيف، وإذا قُسّم على ثلاثة يكون لكل منهم ثلث رغيف، وهكذا حتى نصل إلى توزيع الرغيف على ستة أشخاص أو أكثر.

لقد كنا عام 70 ثلاثين مليون مواطن، فإذا بالهجمة الثقافية الظلامية التي هبت علينا بعدها، يقفز عددنا إلى أكثر من مائة مليون إنسان، وهو معدل يستحيل معه وضع أية خطة لتوفير الغذاء والمسكن والتعليم والرعاية الصحية، إلى آخر الاحتياجات الإنسانية.

فنحن نزيد نحو مليونين ونصف المليون مولود سنوياً. المطلوب في ظني، توحيد حملات التوعية بخطورة الانفجار السكاني بإلقاء الضوء بأمانة ووفقاً للمعايير الدينية الصحيحة والعلمية، على أهمية الاكتفاء بطفل أو طفلين ورعايتهما رعايةً كاملةً ووافيةً، لإعداد أجيال تتمتع بالصحة النفسية قبل البدنية، وهو شرط النهوض بأم الدنيا..
فريدة الشوباشي







أضف تعليقك

كاتبة صحفية ونائبة برلمانية وإعلامية مصرية ورئيس جمعية حقوق المواطن في مصر.