الرابحون والخاسرون فى الأزمة الأوكرانية


عماد الدين حسين

هل هناك مستفيدون من الصراع الضارى بشأن أوكرانيا بين روسيا والمعسكر الغربى؟!
الإجابة هى نعم، وفى أى أزمة أو صراع أو نزاع دولى، هناك دائما رابحون وخاسرون.
فى هذه الأزمة وبعد مساء الإثنين الماضي، حدث التطور الأكبر فى الأزمة حينما وقع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين مرسوم الاعتراف باستقلال جمهوريتى دونتيسيك ولوغانسك فى شرق أوكرانيا، وألقى بوتين خطابا عاطفيا، خلاصته أن روسيا هى التى أنشأت أوكرانيا على يد الزعيم البلشفى لينين حينما شكل الاتحاد السوفييتى بعد نجاح ثورة أكتوبر ١٩١٧ البلشفية.
ثم شهدنا صباح اليوم الخميس التطور الاكبر ببدء العملية العسكرية الروسية في اوكرانيا خصوصا ضد بنيتها التحتية العسكرية.
هذا التحليل في السطور القادمة مبدئي وليس قاطعا او نهائيا الي ان تتضح الصورة كاملة. بالطبع فإن الخاسر الأكبر حتى هذه اللحظة هو أوكرانيا نفسها التى وجدت نفسها، أو ألقت بنفسها فى خضم صراع الأفيال بين الروس والغرب، وكما يقولون فانه " حينما تتصارع الافيال يكون العشب هو الضحية". والعشب في هذه الازمة هو اوكرانيا، التي سوف تخسر فى كل الأحوال. ولو تم استخدام أسلحة الدمار الشامل، فإن أوكرانيا مهددة بالفناء، ولو كان الصراع حتى بالوكالة فى شمال شرق أوكرانيا أى اقليم دونباس فإن الخسائر البشرية والمادية سوف تدفعها أوكرانيا بالأساس ايضا.
وحتى لو انتهى الأمر إلى الصورة الراهنة اي تثبيت الاعتراف الروسى الأخير واستقلال الجمهورتين، فإن أوكرانيا بصورتها الحالية مهددة بالتفكك ،خصوصا إن هناك مواطنين أوكرانيين كثيرين من أصل روسى، وهؤلاء هم من تراهن عليهم موسكو فى معظم تحركاتها.
الخاسر الثانى المتوقع بعد أوكرانيا هو غالبية بلدان أوروبا، خصوصا تلك التى تعتمد على الغاز الروسى الذى يمر عبر الأراضى الأوكرانية.
أمريكا تريد من أوروبا ألا تعتمد على هذا الغاز، والأخيرة تقول إن ذلك غير عملى وغير كاف، وغير اقتصادى، وأن توقف مشروع شبكة خطوط غاز «نورد ستريم ٢» من روسيا الي أوروبا سيكلفها كثيرا.
الحرب ستتم في كل الاحوال على الأرض الأوروبية ،وليس على الأرض الأمريكية، وأوروبا هى التى ستكون مطالبة بدفع الفواتير الكاملة لهذا الصراع من أول تمويله نهاية بالجنود، مرورا بكل شىء.
الكاسب الأول " المؤقت" حتى الآن هو الرئيس الروسى بوتين الذى استغل بمهارة ضعف الولايات المتحدة، ووهن رئيسها جو بايدن، وعدم رغبة غالبية أوروبا فى دخول مواجهة مسلحة أو حتى سياسية.
بوتين يريد هدفين أساسيين من وراء هذه الأزمة ،الأول هو عدم دخول أوكرانيا لحلف شمال الأطلنطى، والثانى هو عدم نصب منظومات عسكرية متطورة قرب حدود بلاده خصوصا فى أوكرانيا، لكن هذا المكسب يظل رهنا بمدى فعالية وقوة العقوبات الاقتصادية والسياسية التى ستفرضها أمريكا وأوروبا على روسيا عقب قرار الاعتراف الاخير ،وبدأت العقوبات الامريكية بصورة مبدئية قبل ساعات ضد مؤسسات مالية واقتصادية روسية. وبالتالى فلو كانت هذه العقوبات شديدة وفعالة فقد تكلف روسيا الكثير خصوصا على المستوى الاقتصادى ويعتقد البعض ان الغرب نصب فخا محكما للقصاء علي بوتين ومراكز القوة التي راكمها منذ سنوات.
المستفيد الثانى حتى هذه اللحظة هو الصين التى ترى فيه أن أمريكا والغرب سيكونوا مشغولين بالصراع مع روسيا، وعدم التركيز عليها، وتركها تتنفس بحرية أكبر بدلا من الحرب التجارية الشرسة التى تشنها عليها الولايات المتحدة لتعطيلها عن التقدم لاحتلال المركز الأول فى الاقتصاد العالمى.
لكن أيضا سوف يظل هذا المكسب مؤقتا حتى تتضح طبيعة مسار الصراع الروسى الغربى.
الولايات المحدة تعتقد أنها سوف تكون رابحة من هذا الصراع، لتذكر العالم بأنها الدولة الأقوى عسكريا واقتصاديا وثقافيا وتكنولوجيا فى العالم كله، لكن كثير من الخبراء يقولون أن ذلك لم يعد صحيحا، وأن العالم ودع بالفعل عصر القوة العظمى الوحيدة، وأنه ذاهب أو ذهب بالفعل إلى عالم متعدد الأقطاب.
كل ما سبق هو مجرد قراءات مبدئية، لكن السؤال الذى يفترض أن يشغلنا نحن العرب أكثر: هل سنتأثر بهذا الصراع وبأى درجة وكيف نتجنب التداعيات السلبية بل ،ونحسن مواقفنا السياسية ،إذا كان ذلك ممكنا. والنقطة الأخيرة تحتاج إلى قراءة مفصلة ومعمقة.







أضف تعليقك

رئيس تحرير جريدة الشروق