الطفل ريان يغير قواعد مهنة الإعلام



هل تغيرت قواعد مهنة الصحافة والإعلام التى تعلمناها فى المعاهد والكليات المتخصصة طوال عشرات السنين؟
هذا سؤال يستحق البحث والدراسة بسبب التغيرات الثورية التى تعترى مهنة الإعلام فى الفترة الأخيرة.
لا أتحدث عن الصحافة المصرية فقط، ولكن عن الصحافة العربية عموما، وأحيانا العالمية، خصوصا فى ظل التغطية الإعلامية قبل حوالي اسبوعين لقصة الطفل المغربى ريان الذى سقط فى بئر ضيق جدا عمقه ٣٢ مترا فى قرية بمدينة شيفشاون شمال البلاد وحينما وصلت إليه فرق الإنقاذ كان قد فارق الحياة .
التغطية الإعلامية غير المسبوقة لهذه الحادثة تجعلنا نتساءل عن القواعد الجديدة التى صارت تحكم مهنة الصحافة والإعلام.
إحدى القنوات الإخبارية العربية كانت فى حالة بث مباشر طوال الوقت تقريبا من موقع الحدث، وكل لحظة تكرر أخبار عاجلة، هى فى واقع الأمر ليست عاجلة!!.
الطفل ذو السنوات الخمس قضى خمسة أيام عالقا فى قاع البئر، وحينما تم انتشاله ميتا بكاه الملابيين فى المغرب ودول عربية وأجنبية كثيرة، ونعاه الديوان الملكى المغربى والأزهر الشريف وشخصيات عامة عالمية كثيرة، وأندية بريطانية عالمية مثل برشلونة واتليتكو مدريد ومانشستر يونايتد ومانشستر سيتى وباريس سانة جيرمان والأهلى المصري وفنانون، وكذلك الرئيس الفرنسى إيمانويل ماكرون والشيخ محمد بن راشد نائب رئيس دولة الإمارات ورئيس مجلس الوزراء وحاكم دبى. بالطبع الحادث مأساوى، وطريقة وقوعه تدعو أى إنسان سوى أن يتعاطف معه، وأن يتمنى خررج الطفل حيا بعد هذه الدراما الإنسانية غير المسبوقة إعلاميا وهذا الحادث ورغم ماساويته الا انه كشف عن الاخوة والتضامن العربي وان حسهم الانساني عالي جدا.
لكن ما أناقشه اليوم لا يتعلق بهذا الطفل الذى ندعو الله أن يتغمده بواسع رحمته، بل نحن نناقش الطريقة التى صارت العديد من وسائل الإعلام تغطى بها بعض القصص الإخبارية، وتحاول أن تضع قواعد جديدة لمهنة الإعلام والصحافة خلافا للقواعد المتعارف عليها منذ نشأة هذه المهنة ،أو حتى طوال مراحل تطورها المختلفة.
أحد القواعد فى هذه المهنة هى التوازن أو التناسبية بمعنى أن تكون التغطية متناسبة مع أهمية الحدث نفسه، لا تكون قليلة فتهمله حقه، ولا تكون كبيرة فتصبح مبالغا فيها.
وبهذا المعنى فإن هذه التغطية، لم تكن فقط كبيرة ومبالغ فيها، بل تجاوزت كل الحدود والأعراف المتعارف عليها.
مرة أخرى وفاة طفل بهذه الطريقة حدث مهم ويستحق المتابعة، لكن السؤال، هل كانت وسائل الإعلام وهى تغطى هذا الحدث، مهمومة بالجانب الإنسانى والأخلاقى، أم كانت تبحث فقط عن نسب المشاهدة أو التريند، الذى لا يقيم وزنا لأى قيم مهنية أو أخلاقية، كما كتب أحد خبراء الإعلام.
وعلى صفحة زميل اعلامي قرأت الآتى: «وسائل الإعلام صارت قادرة على اللعب بأعصاب العالم، وهذا العالم لديه استعداد أن ينساق ورائها». هذا الكلام صحيح تماما، وبالتالى فإن حادثة الطفل ريان يمكن استخدامها كنموذج لصحافة وإعلام الإثارة الذى يبحث فقط عن نسب المشاهدة والتوزيع. سيقول البعض ولكن البحث عن نسب المشاهدة والتوزيع بل والتريند، ليس أمرا معيبا، بل هو منافسة طبيعية.
هذا كلام صحيح، ولكنه مشروط بقواعد المهنة أيضا ،وإلا قامت وسائل أخرى بنشر فيديوهات فاضحة، وصورا عارية،ووقتها ستجلب نسب مشاهدة أكبر!!.
وسائل التواصل الاجتماعى صارت المؤثر الأكبر فى وسائل الإعلام التقليدية، ورأينا مواقع كثيرة تقوم بنشر وتتبع قصص مصورة عن انقاذ قطعة أو فأر أو أى حيوان آخر، ويتم تسويق القصة بصورة درامية مشوقة، وتلتف حولها الجماهير، ثم يتم نسيانها بعد أيام لتخرج قصة جديدة ،والمشكلة أن وسائل الإعلام التقليدية صارت تجرى وراء هذا النوع من الإعلام الخفيف والذى لا يحتوى على مضمون حقيقى في معظم الاحيان.
سيسأل البعض وهل معنى كلامى ألا ننشر مثل هذه القصص الإنسانية ؟. الإجابة هى لا، يتم نشرها ولكن فى إطار حجمها الطبيعى. تصورى مثلا فى أحداث هذا الأسبوع لدينا العديد من الأخبار المهمة للعالم أجمع مثل الصراع بين روسيا والغرب على أوكرانيا، وارتفاع أسعار النفط ومفاوضات فيينا بين الغرب وإيران، وكرويا كان لدينا بطولة أفريقيا وبطولة العالم للاندية. حادثة ريان مكانها الطبيعى قصة إنسانية فى الصفحة الأولى أو الأخيرة ورقيا، أو فى نهاية البرامج التليفزيونية، أما أن تجعلها إحدى القنوات بثا مفتوحا على مدار الساعة، فذلك أمر غريب، ومن حق الناس أن تسأل هذه الوسائل، ولماذا لا تهتمون بملايين الأطفال الذين يعانون من سقوط مدو فى الفقر والجهل والتخلف والمرض فى كافة أنحاء العالم وفى منطقتنا العربية أيضا؟!!!.







أضف تعليقك

رئيس تحرير جريدة الشروق