الوعي السياحي


من بين الاحداث التي لا انساها،او لن أنساها رغم مرور عشرات السنين علي وقوعها ،تلك التي حدثت لي اثناء عملي في فرنسا؛ فقد كان يقام سوق تحت سقف كوبري المترو كل سبت وكل اربعاء وكنت اقصدهما لشراء احتياجاتي من الخضروات والاسماك ،الطازجة.

وذات يوم شاهدت عرضا لثمرة بطيخ ،شديدة الاحمرار ومكتوب علي الصندوق الموضوعة فيه ان بلد الاستيراد هي مصر؛ طبعا هجمت علي البائع واشتريت نحو خمس بطيخات وفي المنزل هجمت علي الثمرة التي اشتقت اليها ،وكأنني انهل من نهر الشهد او عسل النحل وظللت أواظب علي الذهاب الي السوق كل سبت وكل اربعاء لأشتري كمية من البطيخ المصري.

في الموسم التالي ذهبت الي السوق وانا اتطلع الي الاستمتاع ببطيخ بلادي،ولكني وجدت بطيخا من دولة اخرى ؛ اقتربت من البائع وسألته،أين البطيخ المصري..نظر اليٓ وسألني بخجل ،انت مصرية؟ اجبت بنعم قوية فإذا بنظرة اشفاق تطل من عينيه وهو يطلعني علي ماجري.

قال ان شحنات الموسم الحالي كانت ثمرات البطيخ العلوية رائعة كعادة الثمار المصرية ،ولكن الصف الأسفل وماتلاه ،كان عبارة عن ثمرات محقونة بالمياه،لزوم الوزن،وبلا اي طعم ..ثم اضاف بأسي ،ألغيت الشحنة والغي التعاقد علي صفقات بطيخ جديدة..يومها بكيت لهول الضرر الذي ألحقه بعض الغشاشين فاقدي الضمير والحس الوطني ،بالعشرات وربما المئات من موردي البطيخ بأن اغلقوا في وجوه الشرفاء باب رزق وايضا الترويج للصادرات المصرية التي لا مثيل لها!!!

.تذكرت هذه الواقعة المؤسفة وانا استمع الي حادث جري مع اصدقاء فرنسيين لقريب لي وحكي لي بألم ان هؤلاء الأصدقاء ذهبوا لزيارة الاهرام فتعرضوا لسلوك اقل ما يقال انه ليس سلوكا مصريا،بادعاء انه علي كل زائر دفع مبلغ مئات الدولارات للسماح لهم بالتقاط صور لهم الي جوار الاهرام..وعندما تدخل صديقهم المصري مطالبا بمراعاة قواعد السلوك السليم مع ضيوف المحروسة،صرخوا فيه بألا "يحاربهم في أكل عيشهم" ..وكما هو متوقع ،استنكر السياح الفرنسيون هذا الجشع ، وارجو ان يتم. اعداد جهة تراقب هؤلاء وتقوم بتوعيتهم حفاظا علي الصالح العام.

الخطير في هذه الواقعة المؤسفة ،ان مجموعة السياح قالوا للصديق المصري،ان بلده رائع الجمال ولكن "ناسها" في غاية الجشع.

واكدوا انهم سينصحون مواطنيهم بزيارة مصر مع التحفظ والحرص الشديد خلال التعامل مع الشعب اي ان سلوك البعض ادي الي نفور السياح من التعامل مع الفئات الشعبية وهو ما يلحق ضررا فادحا بالنشاط السياحي الذي يحقق فوائد كبيرة جدا للوطن ،من دخل عملات صعبة،الي تحقيق ارباح للفنادق والمزارات ومن ثم تحسين الدخل لقطاع كبير جدا من المصريين ،العاملين بالنشاط السياحي ،حيث إننا دولة نمتلك اكثر من ثلث آثار العالم ،اضافة بالطبع الي تفرد هذه الآثار التي لا يوجد مثلها في اي مكان آخر علي الكرة الأرضية.

اتمني ان تقصي وزارة السياحة هذه النماذج الجشعة والمسيئة لشرفاء المهنة وللوطن الذي يلحقون به ضررا عميقا ،بوعي او بغير وعي؛ اتمني ان تنتقي الوزارة النماذج الواعية التي تتعامل مع السياح حتي لا يحدث لنا مثلما حدث مع ثمار البطيخ في اواخر سبعينيات القرن الماضي، فنحن الآن في الجمهورية الجديدة التي نتطلع بثقة ،الي استعادتها،لمكانها ومكانتها.







أضف تعليقك

كاتبة صحفية ونائبة برلمانية وإعلامية مصرية ورئيس جمعية حقوق المواطن في مصر.