سوق توتو وكهوف الأفيون


لم تعد سياسة الرئيس الأمريكي جون بايدن تثير نوعا من الدهشة علي المستويين الداخلي والخارجي، بعد أن تأكد لجميع الدوائر السياسة المعنية بالشأن الأمريكي بأنها تمر بمرحلة انتحار اللامعياري، وهذا النوع من الانتحار حسب توصيف علماء النفس يتحقق في أمرين الأول، هو الشعور بالنقص والخسارة والثاني عدم تجاوز المنتحر لظروفه السيئة، بالنسبة للمعيار الأول وهو النقص والخسارة يتجلي ويتضح ذلك في سياسة بايدن الخارجية، من خلال محطات كثيرة، أهم هذه المحطات والتي تصنَّف بالكارثة السياسية ، و هي انسحاب القوات الأمريكية من أفغانستان بعد أن ملأت المنصات الإعلامية الأمريكية دول العالم ضجيجاً بخطورة حركة طالبان طيلة عشرين عاماً ، ولكن بعد الانسحاب الناعم للقوات الأمريكية صاحبتها مبررات واهية صدرها الرئيس بايدن في مؤتمره حول أفغانستان محاولاً اقناع العالم بقبول حركة طالبان كحركة سياسية وليس حركة إرهابية متطرفة وقد فشل بايدن في ذلك علي الرغم من توزيعه صكوك الغفران علي حركة طالبان وقيادتها ولكن أعضاء حلف الناتو قرروا جميعاً عدم الموافقة علي قبول طالبان في المشهد السياسي الأفغاني

في نفس السياق تسببت الإدارة الأمريكية في أن تصبح أفغانستان اكبر مصدر للأفيون لدول الجوار بل وللعالم ، وذلك بعد ان اعتمدت حركة طالبان علي زراعة وتصنيع الأفيون من خلال ما يعرف بكهوف الأفيون وبيعه في اكبر سوق في العالم داخل أفغانستان وهو ( سوق توتو ) حتي صارت ايران وباكستان اكثر الدول استيراداً لمخدر الحشيش والأفيون من سوق توتو ، وهى السوق التي تشهد الآن رواجاً في ظل انعدام الموارد الاقتصادية للشعب الأفغاني وانتشار البطالة وإغلاق المدارس ، وترتب علي هذا وقوع عشرات الألاف من الشعب الأفغاني في براثن ادمان الأفيون ، حتي ان هناك اسرا أفغانية تبيع اطفالها في مقابل توفير مخدر الأفيون لوالد الطفل ، انها جريمة إنسانية وقعت فيها أفغانستان بين مطرقة التطرف وسندان الأطماع الخارجية في ثرواتها المعدنية ،

اما النوع الثاني من الانتحار اللامعياري يتحقق عندما يفقد المنتحر القدرة علي تجاوز ظروفه السيئة ، وذلك ينطبق علي الوضع الاقتصادي الداخلي لأمريكا ، فقبل نهاية العام الماضي ٢٠٢١ ، وافق الكونجرس الأمريكي علي اصدار تشريع بزيادة سقف الديون الأمريكية بمقدار 2.5 تريليون دولار إلى 31.4 تريليون وذلك حتي لا تتهم أمريكا بالتوقف عن سداد ديونها ، و نتج عن ذلك زيادة معدلات التصخم وارتفاع الأسعار لمستويات غير مسبوقة في تاريخ أمريكا ، حتي دفع اعداد ضخمة من الشعب الأمريكي للإقامة في البرازيل والمكسيك نظراً لانخفاض الأسعار المعيشية داخل هذه الدول ، هذا بجانب الآلاف من الأمريكان في ولاية كاليفورنيا الذين يعيشيون في سيارتهم داخل الجراچات نظراً لعدم قدرتهم علي سداد ايجار شقة فاكتفي المواطن في كاليفورنيا ان يحول سيارته الي حجرة نوم ، علي أن يكمل باقية احتياجاته الخاصة في ناد صحي يتناسب مع امكانيته المادية – لهذا لم تعد أمريكا هي الجنة الموعودة التي تغري شعوب العالم كما كانت في الثمانينيات والتسعينيات من القرن الماضي ، فهي أصبحت طاردة وليست مستقبلة بعد تآكل الاقتصاد الأمريكي لأسباب تتعلق بسياسات تاريخية للأدارات الأمريكية السابقة ، حتي وسائل الإعلام الأمريكية حسب آخر دراسة أجريت من خلال الأمن القومي الأمريكي والتي استخلصت بأن القنوات التلفزيونية الأمريكية مثل السي ان ان والفوكس نيوز لم تعد تحظي بالتأثير لمتابعيها في المنطقة العربية بل فقدت ٤٥٪؜ من مشاهديها، لهذا صارت المشاكل الأمريكية الداخلية والخارجية تشبه جبال الألب التي يبدو شكلها جذاب ولكنها تعد متسلقيها بالموت المحقق ، لهذا ستظل سوق توتو التي تنتهك فيها إنسانية و آدمية شعب بأكمله في دولة أفغانستان هى السوق التي ابكي العالم ، بل وحرق الشعارات الناعمة المتمثلة في حقوق الإنسان الواردة من البيت الأبيض.







أضف تعليقك

الكاتب والمحلل السياسي بمنتدي الشرق بلندن