ليبيا.. والسير على الجمر


الجمل العَرَضِية في السياسة أحياناً تشبه الكرات العَرْضِية في لعبة الساحرة المستديرة، تشكل دائماً خطراً على المرمى، ليبيا تعيش الآن حالة سياسية من نوع هذه الجمل العرضية التي تفتقد الدقة ووحدة الهدف، ومن ثم فإن محاولات التقدم لإحراز أهداف سياسية لصالح المستقبل الليبي باتت مهددة بالفشل.


الطريق إلي ليبيا الدولة، صار كمن يمشي حافياً على الجمر. الأوضاع تزداد تعقيداً، بوصلة المستقبل يعتريها تشويش الصراعات الدائرة بين بعض الأطراف والمكونات التي ترى أحقيتها في الانفراد بليبيا.

هؤلاء الذين يصنعون الأزمات ويتظاهرون بالبحث عن حلول لها. لايراجعون مواقفهم، ويعلقون مسؤولية التدهور على التدخلات الخارجية. يستخدمون شعارات سياسية براقة لإبراء الذمة أمام الرأي العام.

القصة الليبية تحمل الكثير من المسكوت عنه. التناقضات باتت عنواناً عريضاً في المشهد الليبي، مجلس النواب يعكف على تشكيل حكومة جديدة، ورئيس حكومة الوحدة الوطنية عبدالحميد الدبيبة يؤكد استمرار عمل حكومته حتى إجراء الانتخابات الرئاسية والبرلمانية.. النائب العام الليبي يحيل أكثر من وزير إلى جهات التحقيق، الحديث حول تفاصيل دستور جديد ودائم، مثار جدل يتزايد يوماً بعد الآخر، الحسابات الدولية تجاه ليبيا تتغير وفق استراتيجية عالم يتشكل الآن بموازين قوى جديدة.

تحميل القوى الدولية كافة مسؤولية تجميد الأوضاع تقدير لا يخلو من المبالغة، هناك أطراف أخرى تريد أن تظل ليبيا ملاذاً للتنظيمات الإرهابية، والميليشيات والقوات الأجنبية والمرتزقة، نعم أطراف تريد أن تظل ليبيا ساحة للحرب والصراعات ومثار تهديد للأمن القومي العربي، ومن ثم فإن الإرادة الحقيقية، والمضي قدماً بثبات ورسوخ، وإعادة بناء الدولة لابد أن ينطلق من الداخل الليبي، وليس الخارج، الليبيون أنفسهم يستطيعون.. لو توحد الهدف وتطابقت الإرادة والعزيمة.

الأوضاع الحالية ليست هي أجواء سبتمبر 1969، وليست أيضاً أجواء فبراير 2011، لكن التاريخين قادا إلى هذه النتيجة الحالية. عدم تجاوز هذه المرحلة يتم بفعل فاعل، إقامة ليبيا في المرحلة الانتقالية من مصلحة أطراف عديدة، ولكنها قطعاً ليست في مصلحة الشعب الليبي الذي يحلم بعودة دولته ومؤسساته الوطنية.

تحركات مجلس النواب الآن تصنع حراكاً داخل الأوساط الليبية، الحديث عن إقرار دستور دائم، وتشكيل حكومة، خطوات مهمة، ويحدونا الأمل بنتائجها.

لجنة خريطة الطريق قالت: إن تعديل مشروع قانون الدستور، يتم على قدم وساق، إذا جرى إقرار التعديل الدستوري في مجلس النواب، سيكون لدى هذه اللجنة 15 يوماً للاجتماع، ثم 45 يوماً لتعديل القضايا الخلافية الموجودة في الدستور، وإذا جرى التوافق على تعديل الدستور، يحال المشروع المعدل إلى المفوضية العليا للانتخابات، ويجري الاستفتاء بثلثي الليبيين، وإذا قالوا نعم نخرج بدستور دائم للبلاد، والانتخابات بعدها، وهذا المسار يحتاج 12 شهراً، وإذا لم يقر الليبيون الدستور في الاستفتاء الأول، يتم عرضه بعد 60 يوماً للاستفتاء الثاني، وإذا قالوا نعم، تتم الانتخابات الرئاسية والبرلمانية، خلال عام وأربعة أشهر، وفق دستور دائم.


بدأ الطريق لكن استكماله هو الاختبار الصعب، أهمية ليبيا جغرافياً وتاريخياً تدفع إلى كل مسارات الإنقاذ، وفي مقدمتها: إيقاف حالة الجدل التي تهدف إلى الأطماع في الثروات الليبية، والالتفاف حول إقرار دستور دائم للبلاد، وخلق مسار أمني يضمن وصول الناخب إلى صناديق الاقتراع، وتوحيد المؤسسة العسكرية، ووقف الصراع على البنك المركزي، ووضع خطة لتوفير كافة الاحتياجات الضرورية والحياتية للمواطنين بما يغلق الأبواب أمام التنظيمات الإرهابية التي تلعب دائماً على وتر الأزمات الاقتصادية، وتحاول تقديم نفسها كبديل لسد حاجة المواطن، ومن ثم تتوسع في تجنيد العقول لخدمة مصالحها. الأيام المقبلة مليئة بالمتغيرات الكبرى في مسارات الوصول إلى الانتخابات الرئاسية والبرلمانية لكنني أرى أنها الفرصة الأخيرة، وإلا باتت ليبيا مقيمة في المراحل الانتقالية.

الكاتب: رئيس تحرير مجلة الأهرام العربي







أضف تعليقك

رئيس تحرير مجلة الأهرام العربي