التالى بعد "أصحاب ولا أعز"


غالبية الناس بدأوا ينسون حكاية فيلم «أصحاب ولا أعز»، لكن هل انتهت المشكلة؟! نعرف أن الرأى العام المصرى بوسائل إعلامه المختلفة سواء كانت وسائل إعلام تقليدية، أو تواصل اجتماعى، انشغل إلى حد كبير بهذا الفيلم الذى انتجته شبكة نتفليكس ،وتم تصويره في لبنان ومثل فيه نجوم من دول عربية مختلفة منهم منى زكى وأياد نصار ونادين لبكى.

الفيلم تم بثه يوم الخميس قبل الماضى وهو النسخة رقم ١٩ من الفيلم الإيطالى الشهير «غرباء تماما» .جوهر الجدل بشأن الفيلم أنه يروج لقيم مختلفة وغريبة وصادمة للمجتمع المصرى والعربي، خصوصا المثلية الجنسية، كما يقول منتقدو الفيلم، وهو الأمر الذى ينفيه بطبيعة الحال المشاركين فى الفيلم.

نقاشنا اليوم ليس عن موضوع الفيلم واهدافه، ولكن عن فكرة مختلفة ،لا يريدون كثيرون أن يلتفتوا إليها وهى: ماذا سنفعل إذا انتجت نتفليكس او غيرها من الشبكات المماثلة أفلاما أخرى يراها كثيرون منا غريبة وصادمة ومختلفة؟.

مرة أخرى للأسف هناك بعض المصريين والعرب مايزالون غارقون فى أوهام قديمة ،ولا يدركون أن الدول والسلطات الوطنية لم تعد قادرة على منع دخول هذه الشبكات إلى بيوتنا.

فى الماضى كان يمكن للأجهزة المختصة أن تمتع إشارة البث عن هذه الفضائية أو تلك، وتمنع طبع أو دخول أو تداول هذه الجريدة أو المجلة، بل وتمنع عرض فيلم معين فى دور العرض ، كما حدث فى فيلم «سوبرمان» الأخير، لأن أحد أبطاله مثلى الجنس، أو حتى يمكنها أن تعطل وتحظر وتمنع العديد من المواقع الإلكترونية التى تبث محتوى مخالف للقوانين والسياسات أو العادات والتقاليد.

الامر مختلف تماما فى حالة الشبكات الجديدة ، هى شبكة تقوم على فكرة بسيطة، الشخص يمكنه أن يشترك فيها وبمبالغ مالية بسيطة جدا،وبعدها يمكنه أن يشاهد كل محتوى هذه الشبكات المتنوع جدا من الأفلام والمسلسلات والبرامج الوثائقية والسياسية والرياضية بل والكارتون.

مرة أخرى لن أدخل اليوم فى قصة من اصحاب هذه الشبكات، وما هى أهدافها، لكن سوف نفترض أن هذه اهداف هذه الشبكات المعلنة أو المستترة كانت مختلفة ومتصادمة معنا ، فالسؤال هو: ما الذى يمكن أن تفعله الدول العربية أو أى دولة فى العالم؟!.

بالمناسبة الصين لديها مشكلة كبرى مع معظم تطبيقات التكنولوجيا ووسائل التواصل الاجتماعى، ولذلك اخترعت فيس بوك خاص بها يدعى «وي شات»، وهى التى تمتلك التيك توك، وروسيا لديها شبكات خاصة بها. فماذا نملك نحن العرب لكى نواجه هذه الموجات المتلاحقة من الاختراعات التكنولوجيا، التى ستحمل بطبيعة الحال أفكار أصحابها ومموليها؟!.

ليس بالضرورة أن تنتج هذه الشبكات فيلما يراه بعضنا صادما، لكن أليس واردا أن تنتج فيلما وثائقيا صادما أيضا، أو تستضيف معارضا نصنفه نحن العرب إرهابيا ،أو تتحول إلى منصة تستضيف وتدعم كل المتطرفين أو الإرهابيين، أو حتى غلاة الصهاينة.

سؤالى مرة أخرى: إذا حدث ذلك، فماذا نحن فاعلون؟!

بالطريقة التى نتعامل بها مع هذا الموضوع فأغلب الظن أننا لن نفعل شيئا. وبالتالى سيتكرر الموضوع كثيرا ،وسنتفاجأ بفيلم أو مسلسل أو برنامج أو أى منتج فنى، وبعدها يخرج معظمنا ليسب ويلعن وينتقد، وتنعقد الندوات والمؤتمرات والبرامج الفضائية، ويتحدث كثيرون فى وسائل التواصل الاجتماعى، والجميع سوف يتحدث عن القيم التى ستضيع والأجيال الجديدة التى سوف تتأثر، وبعدها يذهب كل منا إلى حال سبيله، حتى يتكرر الأمر مع حدث جديد، وهكذا دواليك.

من وجهة نظرى علينا أولا النوقف عن التعامل مع هذه الموضوعات بالطريقة الانفعالية الحماسية ،التى تبدأ عالية وصارخة ثم تنتهى إلى لا شىء.

علينا دراسة الأمور بهدوء وروية، وأن ندرك بوضوح ما الذى يمكننا أن نفعله، وما الذى لا يمكننا أن نفعله.
العقول الانفعالية لا تصلح بالمرة للتعامل مع مثل هذه الظواهر. نحتاج إلى خبراء وكفاءات يفهمون فى هذه الظواهر ويقترحون علينا الحلول.

نحتاج انفتاحا على العالم لنعرفه ونفهمه، وألا نتعامل مع كل جديد باعتباره مؤامرة.

نحتاج إلى مزيد من حرية الإبداع والفكر والتنوع، حتى نقدم نماذج مستنيرة تواجه الموجة العاتية الآتية من الخارج، بحيث نجعل المواطنين يلتفون حولها.

أما غير ذلك فهو تضييع للوقت حتى نقع أسرى للاستعمار الثقافى والفكرى الكامل خصوصا اننا مجرد مستهلكين للتكنولوجيا.







أضف تعليقك

رئيس تحرير جريدة الشروق