لعبة الكراسي اللبنانية


نظرة خاطئة موجودة لدى الكثيرين حول الاوضاع السياسية في لبنان، ومفادها ان الديمقراطية والحياة السياسية الطبيعية تسيطران على العمل السياسي وان كثرة الاحزاب والفئات السياسية هي نتيجة طبيعية لهذه الحالة، لكن واقع الحال يقول بعكس ذلك تماما، فالعامل الاساسي المتحكم باللعبة السياسية هو الكرسي ان كان كرسي الزعامة او الكرسي النيابي، حيث بات من واقع الحال أن التمسك بالقيادة هو الامر الناهي حيث لا يوجد تقريبا في تاريخ لبنان اي زعيم سياسي تنحى عن مركزه بارادته الكاملة مقابل مكاسب وطنية عامة.

وفتح اعتزال رئيس الحكومة السابق سعد الحريري او بمعنى اصح تعليق عمله السياسي هذا الجدل من جديد باعتباره علامة فارقة في هذا المضمار، لكن بالعودة قليلا الى الوراء وبالتحديد الى العام 2004 نجد ان والده الشهيد رفيق الحريري قام بنفس الخطوة اعتراضا منه على الضغوطات التي كان يتعرض لها داخليا وخارجيا وعلى الاوضاع السياسية الداخلية التي كانت تمنعه من اتخاذ القرارات اللازمة وقتها.

ورفيق الحريري ليس الاول بدوره، فمسألة اعتزال او اعتكاف  العمل القيادي او السياسي في لبنان تعتبر اداةً للضغط السياسي على الخصوم، او بمعنى اصح اعتزال السياسة لممارسة السياسة، وفي التاريخ اللبناني الحديث يوجد العديد من الحالات المماثلة كالامام موسى الصدر الزعيم الشيعي وزعيم حركة امل وقتها، والزعيم الدرزي كمال جنبلاط، ورئيس الحكومة الراحل رشيد كرامي، وغيرهم وربما تكون هذه الامثلة على ان الامر سيان ان كان بالنسبة للزعامة الروحية او السياسية او الحزبية.

ففي لبنان توجد ثلاثة انواع من الزعامات، الاولى وهي عائلات تقليدية بعضها اقطاعي مارس العمل السياسي، منها من استمر لليوم ومنها من اختفى عن الساحة السياسية، والاختفاء لم يكن بمحض الارادة فهو اما بسبب التغيرات السياسية او بسبب عدم وجود الوريث السياسي، ويوجد بعض العائلات السياسية التي بقيت لليوم عن طريق التوريث السياسي لكنّ بقاءها تم من خلال الاحزاب الطائفية وليس السياسية التي أمنت البقاء الى اليوم.

وتوجد الزعامات السياسية الصافية لكنها للاسف لعبت دورا خلال الحرب الاهلية اللبنانية فقط وانتهى دورها بنسبة كبيرة في يومنا هذا، ومنها الحزب القومي السوري الاجتماعي والحزب الشيوعي اللبناني ومنظمة العمل الشيوعي وبعض الاحزاب الصغيرة كتلك التابعة للنائب السابق نجاح وكيم او زاهر الخطيب وغيرهم، فهؤلاء لم يستمروا بالعمل السياسي ولم تشكل الاسماء البارزة عاملا للبقاء فاختفوا عن الساحة السياسية.

اما من تبقى لليوم فاقواهم حزب الله، ورغم الشعبية الكبيرة التي يتمتع بها امينه العام حسن نصرالله الا ان الاستراتيجية القيادية المتبعة في الحزب تجعل من القيادة الاولى عاملا مؤقتا غير دائم، اي ان ذهب نصرالله لاي سبب من الاسباب فان من سيتولى مهامه بعده سيقوم بنفس الدور، فتاريخ الحزب اكد هذه النظرية بعد عزل امين عام سابق واغتيال اخر، اما بالنسبة لحركة امل فالامر معاكس، حيث استفاد نبيه بري من قربه الشديد من الامام موسى الصدر وورث القيادة عنه حرفيا وتم الترويج له من خلال هذه العلاقة، وستكون الحركة امام معضلة كبيرة عند رحيل بري لاي سبب من الاسباب.

الجانب السني يعتبر الاكثر تعقيدا، فالقيادات السنية لم تستطع ان تكون قيادة مستمرة على عكس باقي الطوائف الاخرى، كون التبعية كانت في السابق لمنظمة التحرير الفلسطينية او على الاقل تحت غطائها، فكانت حركة المرابطون التي تزعمها ابراهيم قليلات خلال الحرب، حيث اختفى عن الساحة السياسية نهائيا بعد الاقصاء السياسي والعسكري، وظهرت بعده عدة تكتلات سياسية وحزبية منها ال سلام واختفاء الدور الذي كانت تلعبه مؤسسة المقاصد العريقة، ومعها اختفى دور ال الداعوق والوزان وغيرها من الاسماء اللامعة التي كانت في فترة من الفترات تشكل ثقلا لامعا، وفي الجنوب ورث مصطفى سعد قيادة التنظيم الشعبي الناصري القيادة من والده الشهيد معروف سعد لكن دوره قل كثيرا ويقتصر حاليا على عدد محدود من المناصرين في مدينة صيدا فقط، اما في الشمال فتعتبر عائلة كرامي ابرز الكتل السياسية ويقول كثيرون ان دورها اختفى نسبيا بعد رحيل رئيس الحكومة السابق رشيد كرامي على الرغم من وراثة دوره الى اكثر من شخصية من بعده.

وبالنسبة للطائفة الدرزية فان الوراثة السياسية تعتبر عاملا اساسيا يمنع اي اعتزال او اختفاء لاي من الوجوه، فالزعيم الدرزي وليد جنبلاط ومع كبر سنه فانه اختار ان يقوم بالتوريث الطوعي لابنه تيمور حفاظا على الارث العائلي وبقاء العمل السياسي، على عكس غريمه التقليدي التاريخي طلال ارسلان الذي قد يفقد مكانة العائلة السياسية بعد رحيله لعدم وجود الوريث واتكال العمل السياسي للعائلة على الوراثة السياسية.

 

اما الطائفة المارونية، فلم يشهد التاريخ الحديث اي تغيرات على صعيد الزعامات الاولى الا فيما ندر، فحزب الكتائب اللبنانية يعتبر من اعرق الاحزاب اللبنانية التي حافظت على وجودها للان من خلال استغلال الارث العائلي المستمر للان، على عكس القوات اللبنانية التي انشقت عنها في ثمانينيات القرن الماضي وتهيمن على جزء كبير من الشارع الماروني لكن وجودها مهدد بالزوال الكلي او الجزئي مع رحيل زعيمها سمير جعجع الذي لم يحضِّر الوريث الاساسي له خصوصا وان صف القيادة الاولى فيه الكثير من التصدعات التي لا يستطيع السيطرة عليها الا جعجع نفسه، وبرزت اسماء اخرى كإيلي حبيقة الذي اختفى دوره مع رحيله، ويوجد ايضا آل شمعون الذي يحاول الوريث الحالي كميل شمعون استعادة دور العائلة ودور حزب الاحرار لكن دون طائل.

في المحصلة فان الزعامات اللبنانية والعائلات الطائفية والسياسية تتمسك بالكرسي مهما كان الثمن، وربما خير دليل ما صرح به بهاء الحريري بانه مستعد للعمل السياسي رغم قرار شقيقه سعد مما يشكل ضربة قاضية على ما تبقى من ماء الوجه، ويؤكد ان الزعامات في لبنان تستمر مهما كانت الظروف.    







أضف تعليقك

كاتب وصحافي لبناني مقيم بالقاهرة، ترأس وعمل بعدة صحف ومواقع إلكترونية عربية وعالمية، له العديد من المؤلفات السياسية والأدبية