المصطلحات الخبيثة والإعلام


من أكثر ما يثير الدهشة ويستفز مشاعرنا أحياناً، في الأسلوب الذي اتبعته أطراف عدة، أغلبها بسوء نية وبعضها بحسن نية، هو المصطلحات الخبيثة والتي دخلت حياتنا منذ منتصف سبعينات القرن الماضي.. فلا يستطيع أحد أن ينكر الجرائم الإرهابية والمفزعة التي ارتكبتها عناصر سياسية استخدمت الدين لتبرير وحشيتها والتي يتضح كل يوم أنها كانت ولا تزال أدوات لتخريب الدول العربية.. والغريب أن هؤلاء كان محركوهم يطلقون عليهم وصف "الجهاديين" وانصاعت جميع وسائل إعلامنا، باستثناءات قليلة لهذا الوصف الخبيث. وعندما كنا نصفهم الوصف الواقعي، أي بالإرهابيين، كانت وسائل الإعلام الغربية وما يسمى بمنظمات المجتمع المدني، تتهمنا بعدم احترام "حقوق الإنسان"، وفي نفس الوقت تصمنا نحن العرب المسلمين، بـ"الإرهابيين"، بل إن المسلمين أنفسهم هم بالضرورة في أدبيات الأعداء، إرهابيون.. ومن أبرز المصطلحات الزائفة والمزيفة، وصف العلاقات مع إسرائيل بالتطبيع؛ وكأن إسرائيل بعدما أقامت معها علاقات أكبر دولة عربية، هي مصر، قدمت أكثر من دليل على نهج سلمي جديد يحترم حقوق الفلسطينيين والسوريين واللبنانيين الذين تحتل أراضيهم وتهدر حقوقهم بدرجة لم يسبق لوحشيتها مثيل.. والتطبيع كلمة بالغة الخبث عندما تقترن بالعلاقات مع دولة عدوانية، وكأننا لا نملك إلا الانصياع لمشروعها التوسعي الإجرامي، بإقامة إمبراطوريتها، "من الفرات إلى النيل"، لا قدر الله.. فالإنسان الطبيعي يثور ضد من يعتدي على حقوقه ويؤكد رفضه للعدوان بكافة الوسائل المتاحة لديه، وهذا هو السلوك الطبيعي، فمن يصفعني بعنف لا بد أن أرد عليه، لن أقول الصاع صاعين، بل على الأقل بمثل ما فعل، ويستحيل أن يستقيم هنا اتباع منهج الشكر والعرفان وأن يصل الأمر إلى حد إعلان الفرحة بعدوانه. إن كلمة التطبيع أصلها: الأمر الطبيعي، أي السلوك الطبيعي، وكيف أكون طبيعية مع من قتل أبي أو أخي أو ابني في هجمات بأسلحة مدمرة، هدمت بيوتنا وعاثت في وطننا إرهاباً، اللهم إلا إذا كفَّرت عن جرائمها، ولن أنسى ما حييت مدى سفالة وسائل إعلام دولية في وصفها لثورة يونيو المجيدة بأنها انقلاب قام به الجيش، بينما كان ملايين المصريين يصرخون من الأعماق، "واحد اثنين الجيش المصري فين"، أي أن الشعب الثائر هو الذي استدعى جيشه الوطني العظيم، وفي ثورة يوليو استدعى الجيش الشعب الذي لبَّى النداء فوراً، لتطهير الوطن من الفساد الملكي والاحتلال البريطاني البغيض.. وطبعاً ظل الإعلام المعادي يصف ثورة يوليو- التي أيدها الشعب بأكمله تقريباً- بالانقلاب.. ويتغاضون عن انتخاب عشرات الملايين للسيسي رئيساً للبلاد، وفي نفس الوقت، سحب الثقة والشرعية من الرئيس محمد مرسي، وهذا حق أصيل لشعب خدعه الإخوان، وكانت تجربتهم تجربة مريرة تماماً، وكذلك في الأقطار العربية التي كان يخربها المرتزقة الإرهابيون، كانت الوسائل المعادية تصف هؤلاء بالثوار.. وهذه مصطلحات على سبيل المثال لا الحصر؛ وهو ما يستوجب صحوة واعية من الإعلام والنخبة، لتوعية الشعب وفضح الأعداء بتفنيد مصطلحاتهم الخبيثة..
فريدة الشوباشي







أضف تعليقك

كاتبة صحفية ونائبة برلمانية وإعلامية مصرية ورئيس جمعية حقوق المواطن في مصر.