نسأل من؟



عندما يداهمك طبيب أو صيدلي، لا أعرف بالضبط، من عشرات القنوات المفترض أنها تبث أفلاماً سينمائية، ويسترسل في الحديث عن فوائد الكركمين، ليس فائدة واحدة فحسب، بل فوائد لا تحصى ولا تعد لهذا العشب، الذي يعالج كافة الأمراض تقريباً، وتظهر بعض الوجوه تؤكد شفاءها من هذا المرض أو ذاك، كما يظهر، راعي الكركمين، ليؤكد فاعليته في تخفيف الآلام، ثم إزالتها تماماً في مرحلة لاحقة.

متابعتي لقنوات الأفلام جعلتني أتوقف أمام هذا الطب الشفهي وأتساءل ما إذا كان أي جهاز في الدولة يتابع البث الذي يحتل كل الشاشات ويخطر الرأي العام بمدى مصداقية ما يذاع وخطورة التعميم، دون حسيب أو رقيب، وترك بسطاء المواطنين فريسة للإعلانات المكتظة بنصائح طبية دون الحاجة إلى مراجعة طبيب أو إجراء كشف طبي للتأكد من جدوى الكركمين، في حالة مرضية أو أخرى، مهما كان التباعد في المظاهر والشعور بها، لكن ما يثير غضبي بشدة هو قطع إرسال الفيلم، في لحظة بالغة الأهمية، ليظهر صاحب الكركمين أو إحدى أدواته، مثل أشخاص يؤكدون شفاءهم أو ينشدون أغنيات تمجّد هذا العشب.

ويستمر سيل الإعلانات عن أشياء أخرى لأكثر من نصف ساعة في بعض الأحيان، بحيث ينسى المشاهد ما كان يتابعه أو يتملكه الملل؛ فينتقل إلى قناة أخرى، ليصطدم بعد متابعة قصيرة بنفس فوائد الكركمين؛ وكأن من هم وراء هذه الإعلانات لم يسمعوا بالحكمة القائلة: إن الشيء إذا زاد عن حده انقلب إلى ضده.. إن الإفراط في تكرار نفس الإعلان كل بضع دقائق يسبب ضيقاً خانقاً، والأدهى حينما يتسبب في قطع سير العمل الفني الذي شكل بعضه الوجدان المصري ورسخ القيم التي عُرف بها المصريون واشتهروا بها، مثل التضامن المجتمعي والشعور بالمحتاج وحب الوطن... وغير ذلك.

وفي ذات الوقت يشعر المشاهد بعدم احترام مشاعره، عندما يوقف المعلن أغنية عذبة بصوت تعشقه الجماهير، مثل ليلى مراد أو عبدالحليم حافظ أو شادية، أو محمد فوزي، أو فريد الأطرش، على سبيل المثال لا الحصر.

قد يرد عليَّ البعض بأن الإعلانات طغت الآن على كافة البرامج في العالم كله، وهذا صحيح، لكن ذلك يتم بدراسة وبقدر معقول ودون قطع العمل الفني أو البرنامج الذي يحظى بشعبية كبيرة، لإذاعة إعلان، شاهده المتفرج منذ دقائق، والأهم أن يروِّج الإعلان معلومات غير دقيقة عن سلعة ما، وهنا يتوجب على الدولة حماية المواطن وعدم تركه فريسة للأثرياء الذين لا يقنعون بربح معقول، حتى على حساب من يصدقون إعلاناتهم.

أنا من هؤلاء الذين يشعرون بالقهر في مواجهة طغيان الإعلانات، حتى لو كانت صادقة، وأرى أنه لا بد من ترشيدها وفرض رقابة حقيقية على المدعين أو من يخدعون الجماهير، وحماية البسطاء، وهذا حق للمواطن لا جدال فيه.. وأقترح أيضاً تحديد فترة زمنية لكل فاصل إعلاني، يحظر تجاوزها، حتى لا يفقد المشاهد المتعة وكذلك الاستفادة من التجارب المعروضة في الأفلام الحديثة والقديمة، لأن القوة الناعمة المصرية سلاح لا يضاهيه سلاح آخر وتبصير المشاهد بالجهة التي يمكن أن يتوجه إليها بالسؤال والاستغاثة بها، وألا يتركه فريسة لليأس..







أضف تعليقك

كاتبة صحفية ونائبة برلمانية وإعلامية مصرية ورئيس جمعية حقوق المواطن في مصر.