هزيمة القنبلة النووية بحجر


 

يوم الثامن من شهر ديسمبر عام 1987 اندلعت انتفاضة الحجارة في فلسطين المحتلة، وكان تكافؤ القوة الفلسطينية شبه معدوم، مع قوة إسرائيل التي اعتمدت على امتلاكها للسلاح النووي.

واستكانت إلى أن تفوقها هذا يضمن لها خضوع العرب عامة والفلسطينيين على وجه الخصوص، ربما إلى الأبد.. غير أن دهس أحد المستوطنين لعدد من المواطنين الفلسطينيين، أصحاب الأرض الحقيقيين، فجَّر الغضب بحدة لم يسبق لها مثيل؛ لدرجة أن أبناء فلسطين، بمن فيهم الأطفال، قد التقطوا السلاح. الأقرب والمتاح، أي الحجر، دونما أي تردد، أمام الفارق الهائل بين سلاحهم البدائي البسيط وسلاح العدو، الشديد التدمير.. وقد شكل لجوء الفلسطينيين للحجارة، مفاجأة مذهلة أيقظت الإسرائيليين من غفوة طويلة، وتوهموا مع ذلك، أن الأمر سوف ينتهي سريعاً، استمراراً لسياسة العناد التي دأب عليها حكام تل أبيب.

نزل الجيش بكامل قوته وكامل وحشيته، دون جدوى، حيث استمر قذفهم بالحجارة، من أعجز شيخ إلى أصغر طفل.. وقد أثبتت انتفاضة الحجارة التي تابعها العالم بأسره، وتعددت بصددها التحليلات، أن القوة تكمن أولاً في الإرادة والتصميم على النصر، وكما كتب البعض، أن الفلسطينيين أدركوا استحالة لجوء إسرائيل إلى سلاحها النووي، لأن ذلك معناه قتل الإسرائيليين بنفس أعداد الفلسطينيين، حيث إن القنبلة النووية إذا ما انفجرت، لن يفلت منها أحد، وهي بالطبع لا تعرف التمييز العنصري، أي استثناء اليهود، كما درجت إسرائيل على ذلك.. وما أذهل إسرائيل وكافة الدول التي تسيطر وتقمع بالأسلحة القوية وشديدة التدمير، أن الفلسطينيين قد تخلصوا من عقدة الخضوع وتسلحوا بعزيمة لا تلين في مواجهة المحتل، أياً كانت التضحيات! كان ذلك وضعاً جديداً لم تواجهه إسرائيل منذ اغتصابها الأراضي الفلسطينية بعد وعد بلفور المشؤوم.

وكما قال عنه الزعيم الراحل جمال عبدالناصر: لقد أعطي من لا يملك وعداً لمن لا يستحق، لقد سطرت بطولات أبناء فلسطين، بمن فيهم أطفال الحجارة، أن مواجهة الظلم والعنصرية بإيمان راسخ، تتضاءل أمامه أعتى القوى وأشدها فتكاً، وأظن أن انتفاضة الحجارة هي التي جعلت جاك أتالي، أقرب مستشاري الرئيس الفرنسي الراحل فرانسوا ميتران إليه، وهو يهودي الديانة، يحذر إسرائيل في مقال بالغ الدلالة كان عنوانه "نهاية الحلم الصهيوني" وساق ثلاثة احتمالات، الأول أن يتحقق السلام بين العرب وإسرائيل، وفي هذه الحال ستذوب إسرائيل في المحيط العربي، والاحتمال الثاني أن تشن إسرائيل حرباً كبيرة ضد العرب؛ وهذا أمر بات مستحيلاً بسبب تداخل الإسرائيليين في أراضي العرب بالاحتلال؛ ومن ثم سوف يتم قتل العرب، لكن الإسرائيليين أيضاً.

والاحتمال الثالث هو استمرار حالة اللاسلم واللاحرب، وإزاء الرفض الشعبي للدولة العنصرية، بعيداً عن مواقف الحكام، سيعود الرأسماليون الذين سال لعابهم؛ أملاً في جني أرباح هائلة في السوق العربية الشاسعة، إلى أوطانهم؛ لأن رأس المال ليس له وطن، وأعتقد أن انتفاضة الحجارة المجيدة قد سلَّطت الضوء على صحة هذه الاحتمالات الثلاثة، لنهاية الحلم الصهيوني. 







أضف تعليقك

كاتبة صحفية ونائبة برلمانية وإعلامية مصرية ورئيس جمعية حقوق المواطن في مصر.