نصرُ أكتوبر والسِّجالُ الدائرُ


احتفل الشعب المصري والشعوب العربية بالذكرى الثامنة والأربعين لنصر السادس من أكتوبر/تشرين الأول 1973، بكل الفخر والاعتزاز بانتصار الجيشين المصري والسوري على القوات الصهيونية، واكتظت صفحات التواصل الاجتماعي تناولاً للذكرى، ما بين تبادل التهاني ونشر صور من وقائع المعركة، وتباهي البعض ممن شارك في الحرب، بما يفيد بالمشاركة من صور أو شهادات تقدير، أو ما شابه، وانسحب الأمر إلى الآباء أو الإخوة أو الأقارب من الدرجة الأولى ممن شاركوا في معركة استرداد الأرض والكرامة الوطنية.

في لحظة الفخر الجماعي المصري والعربي بالانتصار على الكيان الصهيوني جرى سجال واسع وسط جمهور المتفاعلين مع الحدث التاريخي بين فريقين؛ أحدهما يشدد على أن المعركة اقتصرت على مشاركة الجيشين المصري والسوري، ما يعني أنه نصر لهما حصراً، وقطاع واسع من هذا الفريق تأثر بتصريحات الرئيس الراحل أنور السادات وأبواقه الإعلامية فيما بعد زيارته للكنيست الصهيوني، والتي جُوبهت برفض واسع من الشارعين المصري والعربي، وضمن هذا الفريق هناك نفر  ينكر الانتماء العربي لمصر ويتبنَّى أفكاراً شوفينية، ويروِّجون لفرعونية مصر، في تجاهل فاضح لعروبة مصر، والتي أكدها العالم الفذِّ جمال حمدان عبرَ قراءةٍ تاريخيةٍ وجغرافيةٍ وإنثربولوجيةٍ..

بينما الفريق الآخر أثبت بالوقائع والأرقام والأحداث أن معركة 1973 كانت بين الصهاينة والعرب، شارك فيها إلى جانب الجيشين المصري والسوري العرب جميعاً، بدءاً من الدعم العسكري إلى الدعم اللوجستي، إلى الدعم التسليحي إلى الدعم المالي، وليس انتهاء بالدعم الإعلامي، وبعض من هؤلاء يرى فيها حرب تحريك لا تحرير، استناداً إلى ما تبعها من اتفاقيات مع العدو الصهيوني، ويدعم هؤلاء رؤاهم بكتابات وتصريحات المرحوم الفريق سعد الدين الشاذلي رئيس الأركان إبَّان الحرب والذي أقيل على إثر خلاف مع السادات حول التعامل مع ثغرة الدفرسوار، وهذا كلام مردود عليه باعترافات قادة العدو أنفسهم حول الهزيمة المنكرة التي تعرَّضوا لها، ما جعلهم يستغيثون طلباً للنجدة من الولايات المتحدة الأمريكية التي أقامت على الفور جسراً جوياً داعماً للكيان، ما أدى إلى خلل في ميزان القوى لصالح الكيان؛ ما دفع الرئيس الراحل أنور السادات للقبول بوقف إطلاق النار وما تبعه.

ونحن مَن عاصرنا هذه المعركةَ الفارقةَ في تاريخ مصر والأمة، شاهدنا وتابعنا الدعم العربي، غير المحدود، لمصر وسوريا، كخطوطٍ أماميةٍ في المعركة، فقد شاهدنا الطيرانَ العراقيَّ "هوكر هنتر" جنباً إلى جنب الطيران المصري "ميج "في طلعاتِه الأولى الاستطلاعيةِ والقتاليةِ التي دكَّتْ تحصيناتِ ومواقعَ العدوِّ الصهيوني، والجنديَّ العراقيَّ إلى جانب الجنديِّ السوريِّ، وكذلك الأمر شارك جنود من الجزائر والمغرب وليبيا والأردن والسودان والسعودية والكويت وفلسطين إلى جانب الجنود المصريين والسوريين، وأقدمت ليبيا والجزائر على شراء السلاح لصالح الجيشين المصري والسوري، وأغلقت اليمن مضيق باب المندب أمام السفن الصهيونية وسفن داعميه، وأعلن العروبي الراحل الشيخ زايد عن قطع النفط عن الدول الداعمة للكيان الصهيوني، وكذلك الراحل الملك فيصل وأمير الكويت، وهكذا لم يتأخَّرْ بلدٌ عربيٌّ عن أداء دورٍ في المعركة، لتصبح معركة عربيةً بامتيازٍ، بل يمكن القول إن التضامن العربي الرسمي والشعبي كان أحد المظاهر اللافتة للمعركة التي تُوِّجت بالنصر للعرب على الكيان الصهيوني، فكان أحد الدروس المستفادة "قوة العرب ونهضتهم في وحدتهم".

إن الداعين لعزل مصر عن محيطها العربي يصيبون مصر في مقتل- بوعي أو دون وعي- فطبقاً للمفكر الراحل جمال حمدان؛ إن مصر إذا ما انعزلت داخل حدودها تتعرَّض للتهميش السياسى، تستباح تماماً، وإذا ما خرجت إلى محيطها الطبيعي تنهض وتتقدم وتكتسب صفة الدولة الإقليمية الكبرى.

أعتقد أنه من الضروري أن يوكل للجنة كتابة تاريخ ثورة يوليو 1952، تناول حرب أكتوبر 1973 بدءاً من حرب الاستنزاف والتحضير للعبور العظيم، مروراً برصد جميع المشاركات من عسكرية ولوجستية وتسليحية ومالية وإعلامية، وكشف المسؤولية عن ثغرة الدفرسوار، ومدى صوابية قرار وقف إطلاق النار والتحرك في اتجاه الحل السلمي؛ بهذا الرصد العلمي والموضوعي المستند على وقائع مثبتة نحمي هذا الحدثَ التاريخيَّ العظيمَ من التشويهِ ونسجلُ الحقيقةَ للأجيالِ القادمةِ دونَ تزييفٍ.







أضف تعليقك

مسيرة ممتدة لستة عقود من النضال والعمل الصحفي والإعلامي الملتزم بقضايا أمته العربية ، يملك سجلاً حافلاً من التميز الصحفي والإعلامي خلال عمله في العديد من الصحف والقنوات المصرية والعربية