المدار التكنوقراطي


كيف يدير "شى شن بينج" رئيس جمهورية الصين الشعبية الدولة التي تجاوز عدد سكانها المليار وأربعمائة وأحد عشر مليون نسمة، يعيشون على أرض مساحتها تماثل تلك للولايات المتحدة الأمريكية وقدرها 9596 كيلومترا مربعا، مقسمة إلى 23 محافظة و خمس مناطق حكم ذاتي واقليمين لهما نظام سياسي واقتصادي خاص هما هونج كونج ومكاو. الدولة أيضا عملاق اقتصادي يبلغ ناتجها المحلى الإجمالي مقوما بالقدرة الشرائية للدولار 27 تريليون دولار مقارنة بالولايات المتحد 23 تريليون؛ بالقيمة الاسمية فإن ناتجها المحلى الإجمالي يبلغ 17 تريليون دولار أى أقل من أمريكا بستة تريليونات دولار.

بهذا الحجم والتركيب والطاقة والقدرة والتعقيد فإن الحكم والإدارة فيها لا يمكنها أن تكون متوافقة مع الأوصاف الشائعة في الأدب السياسي الأمريكي والغربي أيضا والتي تدور حول "الديكتاتورية" و "الأوتوقراطية" و "الطغيان و"حكم الحزب الواحد". عدم التماثل هذا يتأكد في أن الصين قد باتت ليس فقط عملاقا اقتصاديا فقط وإنما قوة عالمية صاعدة في عالم التكنولوجيا والعلم والابتكار.

والمؤكد أن الصين لم تمر بالتجربة التي مرت بها دولا شيوعية أخرى مثل الاتحاد السوفيتي ودول أوروبا الشرقية الاشتراكية حيث انهارت الدولة ثم أعيد تشكيلها من جديد على النمط الغربي أو على أنماط جديدة غير واعدة مثل روسيا أو بيلوروسيا وأخريات مثلها لا تزال تتراوح بين التجربة السابقة والبحث عن طريق آخر.

مثل ذلك لم يحدث في الصين لأنها بدأت عملية كبيرة للتطور والتنمية والنمو السريع منذ مؤتمر الحزب الشيوعي الصيني عام 1978 حينما بدأت الدولة السير في طريقها الذى وصل بها لما هي عليه الآن من مكانة وقدرة حتى أنها تعيش في نظامين للسوق الاجتماعية و الآخر رأسمالي. وتمت استعادة إقليمي هونج كونج ومكاو دونما إطلاق رصاصة واحدة.    

كيف نجح الرئيس الصيني ورفاقه في إدارة هذه الدولة مترامية الأطراف وأخذها عاما بعد عام إلى طريق الدول المتقدمة والغنية؟ والحقيقة أنه لا يوجد حتى الآن لدى مراكز البحوث الغربية تفسير لارتفاع قدرة الصين على المنافسة والتفوق وهى التي لا يستجيب نظامها السياسي للمواصفات الغربية الذائعة اللهم إلا إذا اعتبر القهر والاضطهاد وسيلة ناجعة للتقدم.

هذا الحكم يتجاهل عددا من الأمور المهمة في تتبع التاريخ السياسي لنظم الحكم في العالم خلال السنوات العشر الماضية حيث انتهي الزمن الذي كانت فيه المرجعية "الديمقراطية هي السائدة في العالم بعد أن انكمش عدد الدول التابعة للنظم الغربية في الحكم، وبات هناك عدديا أقلية منها بينما الأغلبية تنتمي إلى الدول التي تقوم على الكفاءة والإنجاز والتقدم المتسارع للمجتمع والدولة.

هذا النموذج في الحكم ولد في الحقيقة منذ نهاية السبعينيات من القرن الماضي عندما تواكبت المركزية السياسية مع الكفاءات التكنوقراطية مع القوات المسلحة أو حزب قوي مع الرغبة المجتمعية الكاسحة في الخروج من التخلف والفقر وتجاوز آثار الحروب الشاملة. كان ذلك هو الحال بعد الحرب الكورية في كوريا الجنوبية تحت قيادة الجنرال "بارك"؛ وشيلي تحت قيادة "بينوشيه"، والصين من "هيتساو بينج" حتى "شى شن بينج"، وسنغافورة تحت قيادة "لي كوان يو"، وفيتنام تحت قيادة الحزب الشيوعي الذي نقل التجربة الصينية بحذافيرها، وأقام منها دولة تقف على أبواب التقدم الآن.

الآلية التي استخدمها كل هؤلاء كانت مركزية وليس سلطوية في اتخاذ القرار، وعزيمة جبارة في اتجاه اللحاق بالدول المتقدمة، واستخدام واعى للتكنولوجيات الجديدة من خلال نخبة واسعة ومتسعة من التكنوقراط. وإذا كان والى مصر محمد على قد أرسل 334 طالبا مصريا إلى أوروبا لكي يطبقوا بعد ذلك كافة فصول المدنية الأوروبية، فإن الصين أرسلت ما يزيد على 324 ألف طالب إلى الولايات المتحدة وحدها للتعلم في أرقى الجامعات الأمريكية. وهؤلاء هم الذين يقودون الآن عملية النهضة الصينية، وهم الذين يأخذونها إلى الفضاء الخارجي؛ بينما تقوم النخبة السياسية بحماية الاستقرار الداخلي للدولة وتماسك أجزائها الثنائية النظم الاقتصادية. وإذا كان الأمريكيون يعتقدون أن الصين ليس في إمكانها إنتاج شركات مثل "أبل"و "أمازون" أو السيارة الكهربائية فإن الصين الآن لديها "على بابا" و " جى 5" وأقمار صناعية وشركات عملاقة ومشروع كونى الحزام والطريق. 







أضف تعليقك

رئيس مجلس إدارة صحيفة "المصري اليوم"، رئيس مجلس إدارة ومدير المركز الإقليمي للدراسات الإستراتيجية بالقاهرة