30 يونيو.. الثورة من أجل إنقاذ الهوية المصرية


ثماني سنوات كاملة، مرت على ذلك اليومِ المشهود، الذي وقف فيه المصريون على قلبِ رجل واحد، رغم كلِ اختلافاتهم السياسية والاجتماعية والدينية، ليعلنوا رفضهم لجماعةٍ إرهابية، احتلت سدةَ الحكم في غفلة من الشعب.

كانت ثورة 30 يونيو، التي شارك فيها ملايينُ المصريين عام 2013، ضد حكمِ جماعةِ الإخوان المسلمين، نموذجاً يُدرّس في كيفية استخدام أدوات الصراعِ غير العنيف، في إجبار تنظيمٍ دموي على مغادرةِ السلطة رغم تهديداتِه بإحالة مصرَ إلى بحورٍ دماء، لو حدث ذلك.

بدأت الثورةُ قبل يوم 30 يونيو بثلاثة أشهرٍ على الأقل، عندما أقبل أكثر من 30 مليونَ مواطن، على توقيعِ استماراتِ حملة تمرد، التي طالبت الإخوان بترك السلطة، وعمل انتخاباتٍ مبكرة.

لم يكن السبب، أن الإخوان قد فشلوا في إدارةِ شئون الدولة فقط، ولكن السبب، الأهم، كان محاولاتِهم المستمرة لفرضِ هويتهم وعقيدتهم المتطرفة على المجتمع.

وقد كان لدعمِ الجيشِ والشرطةِ لرغبةِ الشعب، دورٌ شديدُ الأهمية في إنجاحِ هذه الثورةِ العظيمة، التي أنقذت مصرَ من المصير المؤلم، الذي وقعت فيه دولٌ عربيةٌ أخرى، مرت بنفسِ تجربةِ الربيع العربي القاسية، قبل ذلك بعامين.

تولى الإخوان المسلمون السلطةَ في منتصف عام ٢٠١٢، من خلال عمليةٍ انتخابيةٍ معيبة ،إما بسبب، ما يشوبها من تزوير في الإجراءات، أو بسبب التلاعبِ الفج على المشاعرِ الدينيةِ للبسطاء لتوجيهِ أصواتهمِ واختياراتهم. لم يستغرق الشعبُ المصري سوى عامٍ واحد، تحتَ حكمِ الإخوان المسلمين، ليدركَ أن نظامَهم الإسلامي لا يخافُ الله ولا يعرف عن الإسلام شيئاً، وأنه مجردُ صورةٍ أخرى من صورِ الفساد الممتد، من العهد السابق، والذي ثار المصريون عليه في يناير 2011. ومن ثم، قرروا إصلاح الخطأ وإزاحتَهم عن السلطة قبل فوات الأوان، من خلال ثورةٍ سلمية أخرى.

لقد نتجَ عن ثورة 30 يونيو الكثيرُ من المكتسبات غير المباشرة، إلى جانب دورها المباشر، في إنقاذ البلاد من براثن الإسلام السياسي.

أول هذه المكتسبات هو أنها وفرت حلاً سريعاً للعديدِ من الصراعات، التي نشبت بين الفرق السياسية المختلفة، في أعقاب سقوط نظام مبارك، حيث كانت البلاد منقسمةً إلى يساريين ويمينيين وثوريين، وفلول وإسلاميين وليبراليين، ولكل منهم أجندةٌ تتنافر مع الآخر بشكل جعل التوافقَ بينهم أمراً مستحيلاً.

ثانياً، قامت ثورةُ يونيو بإصلاح الشرخ الذي حدث في العلاقة، بين الشعب وقوات الشرطة أثناء ثورة يناير، بينما عززت الرابطةَ القويةَ بين الشعبِ والمؤسسةِ العسكرية،  التي أثبتت تحيزَها المطلق لصفوفِ الجماهير في كل المواقفِ والأزمات.

لكن تبقى أعظم المكتسبات التي خرج بها المصريون من ثورة يونيو هو تمكينُ المرأة، في إطار الحفاظِ على الهوية المصرية الفريدة.

في ربيع 2012، تلقيتُ دعوةً من الحملة الرئاسية لمرشح جماعة الإخوان المسلمين، محمد مرسي، لحضور اجتماع تنظمُه قيادات الحملة مع العاملين في المجتمع المدني، من أجل طرح أجندةِ الإخوان في ملف حقوق الإنسان،

وخصوصاً قضايا حقوق المرأة والحرياتِ الدينية، وبالرغم من غرابة الدعوة، وبعد طول تفكيرٍ وتردد، قررتُ أن أحضرَ الاجتماع، خصوصاً أن عدداً لا بأس به من الحقوقيين المصريين كانوا حاضرين بالفعل.

بدأ الاجتماع في فندق فيرمونت، بمحاضرةٍ نظريةٍ طويلة ومملة عن رؤية الإخوان تجاه حقوقِ الإنسان والحريات والديمقراطية، قدم المحاضرة جهاد الحداد، الإخواني ابن الإخواني، فأبوه هو عصام الحداد القيادي المسؤول عن العلاقات الخارجية بالجماعة آنذاك،

وجهاد الحداد لمن لا يتذكر هو ذلك الشاب الذي تكررَ ظهورُه على القنوات الأجنبية أثناء اعتصام رابعة ، وهو يصطحب مراسلي القنوات الأجنبية في جولة داخلَ أوكارهم، وهو يكرر أكذوبةَ أن الاعتصامَ سلميٌ، برغم ما رصدته الكاميرات من أكفان ونعوش وأسلحة وذخائر، وأدوات تعذيب، كان يقول أنها موجودة فقط للدفاعِ عن النفس!

بعد المحاضرة سأل أحد الحقوقيين، المنصةَ عن رؤية الجماعة لحقوق المرأة،  خصوصاً أن الرؤية الدينية، التي تتبناها الجماعة تجاه المرأة، متناقضة تماماً مع المواثيق الدولية في هذا الشأن، فجاء الردُ من المنصة صادماً بأن الجماعةَ تحترم المرأة وتقدُرها، ثم أردف المتحدث قائلاً: "مثلاً نحن نرى أن من حق المرأة أن تطالبَ زوجَها بأجرٍ مقابلَ تنظيفِ بيته وإرضاعِ أولادِه ورعايتهم"، وهذا طبعاً رأيٌ مبنيٌ على نظريتهم التحقيرية للمرأة، والقائمةِ على فكرة أن المرأة هي كائنٌ تابع، سخره الله لإمتاعِ وخدمةِ الرجل. وبينما ضجت القاعةُ بالضحك، شعرتُ وقتها بأن أحدَهم قد غرس خِنجراً في صدري، وقلت لنفسي إننا – كنساء – مقبلون على أيام سوداء، لو حدثَ وفازَ مرشحُ الإخوان في هذه الانتخابات. وقد كان!

ما إن وصلت جماعةُ الإخوان للحكم في يونيو 2012، إلا وأخرجت الجماعةُ كلَ عقدِها تجاه المرأة، بل وحاولوا أن يمنحوا أفكارَهم المريضة شرعيةً قانونية، من خلالِ البرلمان الذي احتله السلفيونَ آنذاك، فلم يمر يومٌ واحدٌ منذ توليهم الحكم، دون المطالبة بمنعِ المرأة من مزاحمةِ الرجل في حقلِ العمل، وإلغاء القوانين، التي تعطي المرأةَ الحقَ في حريةِ السفر والتنقل دون إذنِ الأب أو الأخ أو الزوج، وإلغاء قانون الخُلع الذي يعطي المرأةَ الحقَ في تطليقِ نفسها، بل وأبشع من كل ذلك، كان سعيَهم المستميت لإلغاءِ القوانين التي تجرمُ ختانَ الإناثِ وزواجِ القاصرات. والطريفُ إلى حدِ البكاءِ هنا، هو حقيقة أن المتحدثَ الأشهرَ باسم الجماعةِ في هاتين القضيتين، تحديداً ختان الإناث وزواج القاصرات، كانت امرأةً وليس رجلاً، هي عزة الجرف، المعروفة بـ "أم أيمن"، المسؤولة عن تجنيدِ "مجاهدات النكاح" في الجماعةِ، والتي أصبحت "بقدرة قادر" عضواً بالبرلمان المصري، تحت حكمِ الإخوان.

لهذا لم يكن مستغرباً أن تكون نساءُ مصر في مقدمة الصفوف التي قادت ثورة 30 يونيو ضد الإخوان، وكن الأعلى صوتاً والأكثرَ انتشاراً، وهن بذلك لم يرغبن فقط في الثورة على القمعِ باسم الدين، الذي حاولت الجماعة الإرهابية ممارستَه ضدَهن، ولكن أيضاً استرداد الهوية المصرية الأصيلة، التي حاولت الجماعة الآثمة طمس َملامحِها من خلال إخمادِ صوتِ المرأة، واعتبارِها وصوتِها عارا وعورة.

لقد كان للمرأة المصرية دورٌ لا يغفلُه التاريخ في خلقِ أسطورة 30 يونيو، وكذلك كان لثورة 30 يونيو دورٌ لا ينكره أحد، في تمكين المرأة المصرية من استعادةِ حقوقها، وتفعيل دورِها من أجل رفعةِ الوطن، كَتِفاً إلى كتف بجانب الرجل. فالمرأة والرجل كجناحي طائر، إذا اجتمعا، حلقَ الوطنُ في أعالي المجد.

طوبى لقائدٍ عظيم، هو عبد الفتاح السيسي، الذي أدركَ هذه الحقيقة، ولم يتردد لحظةً في تصحيحِ ميزان الأمور، منذ توليهِ الحكمَ في 2014، وإعادةِ المرأة إلى المكانةِ التي تستحقُها.

 

 







أضف تعليقك

كاتبة وحقوقية، مديرة مركز الدراسات الديمقراطية الحرة، من أشهر مؤلفاتها كتاب باللغة الإنجليزية عنوانه "القضية الفضولية للذئب ذو الأرجل الثلاثة - مصر: العسكرية، الإسلاموية، والديمقراطية الليبرالية"، بالإضافة إلى مؤلفات أخرى مشهود لها دولياً حول الشرق الأوسط